اسطنبول من خلال رواية أورهان باموق
اسطنبول

اسطنبول من خلال رواية أورهان باموق

مشاركةFacebookX

 بدت لي رواية “اسطنبول” لأورهان باموق مملة في صفحاتها الأولى، وقد رغبت بقراءتها لأعرف أكثر المدينة التي أعيش بها منذ سنتين ونيف، والتي نال عليها باموق جائزة نوبل سنة 2006.

الرواية هي حكاية الفتى الاسطنبولي اورهان باموق ذاته، عن نشأته في هذه المدينة عن بيته وعن عائلته وعن أقربائه وأصدقائه ومدرسته، روى طفولته وشبابه حيث ولد ونشأ في أسرة غنية علمانية مغرَّبَة؛ ثم افتكرت…

لا حكاية في الرواية ولا أحداث متسلسلة في تصاعد درامي، ولا شخصيات سوى هذا الطفل الذي ترعرع في اسطنبول وقد غدا فتى ثم شابًأ وقد كانت اسطنبول كل عالمه، لا شيء متخيل في هذه الرواية بل هو يقص ذكرياته في عائلته وحكاياته مع شوارع اسطنبول وازقتها الخلفية، فاسطنبول هي بطل الرواية وشخصيتها الرئيسة؛ إنها حكاية اسطنبول من خلال حكاية هذا الفتى.

نتعرف من خلال الرواية على أحياء اسطنبول وشوارعها وأزقتها الخلفية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته: يني كوي – حي صماتية الرومي – حي بلاط اليهودي – بشكتاش – السليميانية – زيريك– قاسم باشا – جيهان غير – طرلاباش – نيشان طاش – حي رستم باشا – اسكودار– برج البت- فندقلي – سراي بورنو – تكايا المولوية ودراويش الرفاعية – شارع الاستقلال وساحة تقسيم – جامع السليمانية وجامع بيازيد وجامع السلطان سليم– قصر ضولمه بهتشة – قصر طوب كاب؛ القطط والكلاب في الشوارع – حرائق البيوت الخشبية – البوسفور وأدخنة السفن التي تعبره – منازل الباشوات المهدمة – بيوتًا تساقط طلاؤها، واسود خشبها، مهدمة، وسبل ماء مقطوعة متصدعة، ومزارات هبطت سقوفها – الزلازل التي تضرب اسطنبول – أغنياء اسطنبول القدامى والجدد.

من خلال الرواية نتأمل ماضي اسطنبول في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ونراها من خلال عيني الفتى، و ماكانت عليه في ماضيها البعيد، حيث كانت اسطنبول تحتفظ برسومات الرسامين الأوروبيين الذين زاروا اسطنبول في قرون ماضية يوم كانت اسطنبول تسحر خيالات الغربيين بعالمها الشرقي المختلف عن عوالمهم ويتقاطر نحوها الدبلوماسيون والكتاب والشعراء الأوروبيون: نيرفال وغوتييه – بيرلوتي – أندريه جيد – فلوبير … يتجولون في احيائها وشوارعها ويسجلون مشاهداتهم وانطباعاتهم، ولكن اسطنبول التي غدت حتى خمسينيات القرن العشرين وستينياته مدينة مفقرة حزينة بائسة لا تجتذب أحدًا كعجوز ولت أيامها.

“قذارة الأزقة الداخلية وأزبالها، والروائح النتنة الفائحة من صفائح الزبالة على المدينة، والحفر، والنزلات والطلعات التي لا تنتهيفي الأزقة والأرصفة، وكل تلك الفوضى والمعمعة والتدافع والتلاكز التي تجعل اسطنبول اسطنبولا”

وإذ نتأمل اسطنبول اليوم بأحيائها وأبنيتها وشوارعها واسواقها ندرك كم تغيرت اسطبول بين الأمس واليوم.

اسطنبول غير المتصالحة مع ذاتها

يتحدث باموق عن “اسطنبول الضائعة بين المجد العثماني والتغريب الحديث” “إن الحروب الناشئة بين الدولة العثمانية والغرب وروسيا، التي استهلكت غنى مدن الشرق الأوسط كلها وخربتها، وجعلت الاسطنبوليين شكاكين بكل ما يأتي من الخارج، وبالأمكنة البعيدة، والغرب، والتجديد كله في الحقيقة، وكل ما يحمل أثرَا أجنبيًا، كما جعلتهم منطوين على أنفسهم وقوميين”.

مع حلول الجمهورية التركية المقلدة للغرب محل الإمبراطورية العثمانية.التي انهارت، لم تقرر الجمهورية ما سوف تكونه، ولم تر غير تركيتها، وانقطعت عن العالم، فقدت اسطنبول تعدديتها اللغوية، وأيامها المظفرة والطنانة، ومرت السنون على كل شيء وهو في مكانه، وتحولت المدينة إلى مكان خاو أحادي الصوت وأحادي اللغة .

“ففي عام 1852 قبل ولادتي – ولادة باموق – بقرن، كانت تُحْكَى في شوارع اسطنبول التركية والرومية والأرمنية والفرنسية والإنجليزية، … بقاء كل شيء غير مكتمل في اسطنبول … الهزيمة حولت المدينة إلى مكان ناقص. … لم تعش المدينة التغريب الذي تشير إليه إعلانات الجدران واسماء الدكاكين والمحلات والشركات المأخوذ أغلبها عن الفرنسية والانكليزية ، بقدر ما تتحدث عنه أبدًا. كما أن المدينة لم تعش الحياة التقليدية التي تشير إليها الجوامع وكثرة المآذن والأذان والتاريخ”.

“كل شيء ناقص، وغير كاف، وغير مكتمل. ….. اسطنبول ليست معاصرة بما يكفي، وتحتاج زمنا” طويلا” جدًا لتتخلص من الفقر والبؤس، وتلقي عن كاهلها شعور الهزيمة”.

أهم شعراء وكتاب تركيا شعروا التناقض بين فكرة أن يكونوا غربيين، وضرورة أن يكونوا حقيقيين، مما صعّب عليهم حالة الإبداع” احمد راسم – قوتشو – طانبنار – يحي كمال – أورهان كمال….. “؛ شعراء ورسامو المدينة ركزوا اعينهم على الغرب إلى حد عدم رؤية المدينة”.

“وكنا نحن الذين نعيش في النصف الثاني من القرن العشرين مجرد أناس ثقافة فقدت غناها السابق، وسقطت فقيرة، وانهارت قوتها وضعفت إرادتها ورغبتها.” و “كان يجب الانتظار حتى ثمانينيات القرن العشرين لفهم أن ليس ثمة تناقض بين جمع رموز الثقافة العثمانية والتغريب”
اسطنبول الحزينة

يكتب باموق:

“ليس لدي أدنى شك بأن الحزن هو الشعور الحاكم على اسطنبول خلال المائة والخمسين سنة الأخيرة “1858 – 2000) والذي تبثه في محيطها؛ … إن الحزن هو الشعور الذي منحتني إياه المدنية وقضيت حياتي كلها فيه … اسطنبول تعيش الحزن كمدينة كاملة محبذة له؛ … حزن وسوداوية وكآبة وعدم تمكن الاسطنبوليين من التخلص من شعورهم بالحزن على مدى قرن ونصف”

ألم الهدم والضياع والفقر يهيء الاسطنبوليين لهزائم جديدة، واشكال أخرى من الفقر؛ ومنبع الحزن الذي في اسطنبول هو الشعور بالفقر والهزيمة والضياع؛ اسطنبول التي كانت عاصمة إمبراطورية ثم تدهورت مع ذهاب الامبراطورية فأصبحت مدينة خربة و حزينة ومنحت الحزن لأورهان الذي يحب السير في شوارعها الخلفية المفقرة وبيوتها المهدمة وشوارعها المكسرة وحرائق بيوتها الخشبية.

خشية العلمانيين

يقول باموق:

“الخوف الذي كنت اشعر به كالذي عند البورجوازية العلمانية التركية، ليس خوفًا من الله، ولكن خوفًأ ممن يؤمنون جدًا بالله، … وما خفت منه ليس الله، بل غضب المؤمنين به الشديد على أمثالي.
..السبب الثاني الذي يخيفني هو غباء أولئك الأشخاص المؤمنين جدًا به، والذي لا يقارن بذكاء الله، ومن يؤمنون به بعشق”
” لقد أيدت بورجوازية اسطنبول المغربة التدخلات العسكرية كلها، وتدخل الجيش بالسياسة في الأربعين سنة الأخيرة … خشية من توحد الطبقات الدنيا مع أغنياء الريف تحت راية الدين في يوم ما وفرض طراز حياتهم عليها”

ولكن اورهان باموق الذي كتب روايته 2002 – 2003 لم تكن قد مرت عدة سنوات كي يدرك أن هذا التوحد بين الطبقات الدنيا مع أغنياء الريف تحت راية الدين قد حصل فعلًا وفاز حزب العدالة والتنمية بالسلطة، ولكنهم تركوا فسحة للجميع ولم يفرضوا طراز حياتهم على الجميع.

باموق الذي أحب اسطنبول

يقول باموق:

“إنني اتحدث عن اسطنبول عندما أتحدث عن نفسي، وأتحدث عن نفسي عندما أتحدث عن اسطنبول … قد يكون حبنا للمدينة لا مناص منه كحبنا لعائلتنا، ولكننا يجب ان نعثر على ما سنحبه فيها” … “أشعر اني متعلق باسطنبول إلى هذا الحد لأنها تقدم لي سلوانًا ومعلومات أعمق من كل ما يُعَلَّمْ في الدروس … بدأت ادرك بالتدريج أدرك بأنني أحببت اسطنبول لأنها بدأت تفقد خراباتها وحزنها والأشياء التي امتلكتها في زمان ما”

أشتاق باموق دومًا إلى الأزمنة التي كانت المدينة قليلة الزحام وفارغة .

عرفت اسطنبول أكثر

ادخلتني رواية باموق إلى روح اسطنبول الحزينة والكئيبة في خمسينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته بعد تداعيها من عاصمة إمبراطورية عظيمة إلى مجرد عاصمة في القرن العشرين لبلد يرفض أن يكون من العالم الثالث؛ ومن خلال قرائتي للرواية بدا لي أن ذاكرة الاسطنبوليين مازالت مليئة بتلك الذكريات القريبة البعيدة، فلم يمض عليها زمن كثير، … والأجداد تحدثوا للأبناء والأحفاد عن اسطنبول يوم كانت في مجدها، مما يملأ سكانها غيظًا مما جرى ويجعلهم حذرين متوجسين تجاه الأجنبي، إنهم مثل رجل غني اغتصب الآخرون ممتلكاته التي ما تزال صورتها محفوظة في ذهنه فلا يستطيع نسيانها ولا يستطيع التسامح مع ما جرى، ولكنه عاجز عن استرجاعها فيملؤه الأسى والحزن والغضب ،…. وقد قدم لي هذا تفسيرًا لبعض احداث السنوات الأخيرة.

هذه الرواية التي تبدو مملة في البداية تكشف جاذبيتها وقيمتها بالتدريج لقد عرفتني الرواية ما هي اسطنبول.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: