هل نحتاج عبد الناصر اليوم؟
هل نحتاج عبد الناصر اليوم؟

هل نحتاج عبد الناصر اليوم؟

مشاركةFacebookX

مازال الاشتباك حول الموقف من عبد الناصر بين محب بقوة وكاره بقوة، وبين بين. وعبد الناصر في الواقع شخصية “إشكالية” لها وعليها، معها وضدها. فقد مثّل خلال 18 عام من حكمه (1952- 1970) أملًا كان العرب ومازالوا بحاجة إليه، وقد فقدوه بموته، فلم يعوَّض سوى بنسخ لم تستطع الارتقاء لما وصل اليه رغم انها حاولت تقليده، مثل حافظ أسد وصدام حسين والنسخة الكاريكاتيرية معمر القذافي. فقد وضعته، أي عبد الناصر، مواقفه في الخمسينيات من القرن العشرين في قلوب الملايين من العرب من المحيط الى الخليج وأصبح رمزًا وأملًا في نهوض عربي لم يحسن استثماره، وخاصة تحديه للدول المستعمرة وموقفه الحازم من خروج القوات البريطانية من مصر، ثم تأميم قناة السويس، ودعمه الثورة الجزائرية وثورة اليمن، قد وضعته في قلوب النخب القومية و الوطنية ذات المشاعر الحارة الصاعدة في تلك الفترة، التي كانت تبحث عن الكرامة أكثر مما تسأل عن الخبز. كما جعلت منه أحد قادة العالم الثالث ورموزه، وقد كان من مؤسسي حركة عدم الانحياز  في مؤتمر باندونغ 1955 مع كل من سوكارنو وتيتو ونهرو.

على الصعيد الشخصي هو قامة كبيرة وشخصية نظيفة اليد في بلدان أصبح عسكرها الذين تولوا السلطة هم رأسماليوها.  فالعسكر الذين جاؤوا من منابت فقيرة وقفزوا إلى السلطة مزيحين الطبقات المالكة القديمة باسم العدالة الاجتماعية والاشتراكية قد حلوا محلها، فلا بقيت عدالة وضاعت الديمقراطية ورزخ الشعب تحت حكم أجهزة المخابرات ومعتقلاتها.

طوّر عبد الناصر فكره سريعًا عبر التجريب، وتبنى توجهًا متأثرًا بموجة صعود الفكر الاشتراكي عالميًا، فقام بإجراءات اجتماعية أهمها الإصلاح الزراعي وتأميم قطاع الأعمال الخاص وتركيز جزء كبير من الاقتصاد والفائض الاقتصادي في يد الدولة استعمله في توسيع خدمات التعليم والطبابة والنقل العام وتوسيع شبكة الطرق وشبكات الكهرباء ومياه الشرب التي امتدت للأرياف وتوسيع الاستهلاك ليشمل الطبقات الفقيرة في المدينة والريف عبر سياسات إعادة توزيع الدخل وتقديم خدمات تعليم وطبابة مجانية وسلع أساسية بأسعار مدعومه وإنفاق على الثقافة وغيرها،  كلها خلقت حراكًا اجتماعيًا من جهة وحشَّدت فئاتٍ واسعةٍ تأييدًا له، و ربطته بقوة بقطاعات واسعة من الشعب المصري، بغض النظر عن مدى نجاعة إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي وسيطرة الدولة على الاقتصاد ونتائجها على المدى الطويل.

ثم جاءت مرحلة الهبوط والفشل، التي لا يمكن تبريرها بمؤامرات الاستعمار والصهيونية وحسب، فالمؤامرات هي جزء من الصراع، وبدأت مرحلة فشل عبد الناصر مع انفراط عقد الوحدة السورية المصرية في 28 أيلول 1961 بعد ثلاث سنوات ونصف من قيامها في 22 شباط 1958، حيث أبرز التطبيق العملي لنمط الإدارة المصرية على البلاد السورية مدى خواء تلك السلطة من الداخل وفضح طابعها الاستبدادي القاتل الذي دفع بجزء كبير من السوريين، الذين عملوا للوحدة مع مصر عبد الناصر، لأن يكفروا بها ويرحبوا بالانفصال، الذي جاء مدفوعًا بمصالح النخب المالية التي طالها عبد الناصر بإجراءات التأميم سنة 1960 مستندة إلى تذمر واسع من التعسف “المصري” على الشعب السوري، ثم جاءت هزيمة حزيران 1967 لتطلق رصاصة الرحمة على عبد الناصر كشخصية ورمز، ولكن الجماهير العربية رفضت أن يموت رمزها الوحيد، فتصبح يتيمة، وخرج المصريون إلى شوارع القاهرة داعمًا له ضد تمرد العسكر بقيادة المشير عامر، فَبُعِثَ ناصر من الموت ونبت الأمل ثانية، ولكن كانت حياة نبتة الأمل قصيرة، فقد مات عبد الناصر باكرًا ولم يتجاوز الثانية والخمسين من عمره، وقد هدم موته كل ما بناه، لأنه بناه على رمال، وتبين أن الإرث الذي تركه في مصر لم يكن يصلح، فقد أورث السلطة لنخبة انقلبت سريعًا ضد ميراثه بالكامل، مما أثبت أن جذور تجربته لم تكن مغروسة عميقًا في التراب المصري، وأنها كانت مرتبطة بشخصه، فما أن ذهب حتى ذهبت معه. وهذا يلقي الضوء على أكبر أخطائه حين وأد الديمقراطية، وكبح قدرات المجتمع المدني. فلو حافظ عليها لكانت قيمة تجربته ورمزيته أكبر بكثير، بل لكان مصير مصر و المنطقة قد تغير جذريًا، ولكن التاريخ احتمالات، ومن ذرع اللو حصد الريح.

رغم أن تجربة عبد الناصر تضم النجاح والفشل، فإن السجال حوله يغلب عليه اليوم الجانب الأحادي، فمعارضوه يقعون في الخطأ عندما ينظرون اليه بعيون اليوم ومعاييره وليس بعيون ومعايير فترة الخمسينيات، وهي فترة صعود الشعور الوطني المعادي للاستعمار وللصهيونية وصدمة اغتصاب فلسطين وتهجير شعبها، والعداء للنظام الرأسمالي وصعود الفكر الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن مؤيديه يخطئون عندما يرون أن عبد الناصر يصلح لكل زمان ومكان، ورغم ان أنصاره يتبنون اليوم مبادئ الديمقراطية وتداول السلطة والحريات العامة في التعبير والتنظيم، فهم يرفضون توجيه أي نقد أو تقييم موضوعي لفترة حكمه وتجربته، مظهرين “صنمية ناصريه”.

في النتيجة رغم إشكالية شخصية ناصر وتجربته فإن العرب بحاجة إلى رمزيته، لأن التربة العربية لم تبرز شخصية تلتف شعوب العرب حولها سوى عبد الناصر الذي بدا خلال فترة أنه يوحد العرب كما وحدتهم أم كلثوم. فما زالت شعوب العالم الثالث بخاصة بحاجة لشخصية رمزية تجتمع العواطف حولها وتتحشد قوى المجتمع خلف قيادة تستند الى إرثها. فليس من الحصافة هدر  رأس مال رمزية عبد الناصر ، وليس من الحصافة إيقاف الزمن عنده.

لكن إذا كان العرب اليوم بحاجة لعبد الناصر، كرمز للنهوض، فهم ليسوا بحاجة لنموذجه السياسي والاقتصادي، فقد ثبت فشل النموذج الشمولي على كافة الصعد، فذلك النموذج الشمولي القاتل في الحكم، الذي أقامه مقلدًا الأنظمة الشمولية في الشرق والغرب، لا يصلح البتة، خاصة وأن البلدان العربية التي حكمتها أنظمة جاءت بانقلابات عسكرية شبيهة قد عانت شعوبها وأصابتها كوارث فظيعة: مصر ثم العراق ثم سوريا ثم ليبيا ثم اليمن وحتى الجزائر التي جاءت سلطتها عقب ثورة عظيمة قد عانت ذات الأمر لأن العسكر  ورجال الأمن هم من حكموها باسم ثورة المليون شهيد. فقد ثبت عبر تجارب كثيرة أن أنظمة العسكر قاتلة على المدى الطويل أي كانت الإجراءات التي يقومون بها في البداية. وقد غدت الديمقراطية وتداول السلطة والحريات العامة هي القيمة الأولى التي لا يمكن التضحية بها على مذبح العدالة الاجتماعية، وتبرز الحاجة الملحة اليوم لتطوير نظم تجمع العدالة الاجتماعية مع الديمقراطية السياسية.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: