هل العملات الرقمية هي عملات زائفة؟

هل العملات الرقمية هي عملات زائفة؟

مشاركةFacebookX

تروج اليوم في أوساط كثيرة ما يسمى بالعملة الرقمية مثل البتكوين، أيثيريم، تيثير، كارجانو، بولكادوت، بينانس كوين، لايتكوين، ودوغكوين، و تشاين لينك، بتكوين كاش، وغيرها الكثير وبعضها ما زال قادمًا على الطريق والبتكوين أشهرها، وهي جميعها عملات زائفة…

ولكن كيف نقول أنها زائفة وقد سجلت في بورصات وشركات استثمار وتستخدمها بعض البنوك في احتياطياتها وتقبلها شركات وجهات كثيرة كوسيلة دفع مثل أوبر وتسلا وغيرها، واستثمر بها كثيرون وحققوا ارباح خيالية، وارتفع الاستثمار في العملات الرقيمة اليوم لأكثر من 1.2 تريليون دولار تشكل بتكوين نحو 80% منها وقد أصبحت قيمة البتكوين اليوم نحو 49 الف دولار بينما بدأ سنة 2009 بقيمة أقل من دولار واحد..الخ

أبعد كل هذا يمكن أن نقول أنها عملات زائفة؟

نعم، ورغم ذلك فهي عملات زائفة وهنا بعض الأسباب:

النقد أو العملات الورقية بحد ذاتها لا تساوي شيئًا، وتأتي قيمتها من أنها تصدر عن جهة رسمية، أي سلطة محددة “حكومية” في زمان محدد و سوق محددة وفي حيز جغرافي محدد، وهي بمثابة صك على الحكومة التي أصدرتها، وهي، أي وحدة العملة، تعطي الحق لحاملها أن يحصل على سلع وخدمات تقابل قيمتها السوقية.

العملة أو النقد ظهر عبر التاريخ بسبب الحاجة إليه كي يقوم بوظائف محددة مثل:

– هو “مقياس للقيمة”، أي تحدد أسعار السلع والخدمات بواسطته

– وهو “أداة للتبادل” أي نستخدمه لنبيع عملنا (أجر) أو نبيع ما أنتجناه أو ما نملكه من سلع أو ما نقدمه من خدمات، أي نبيع بمبلغ محدد لنقوم بشراء ما يلزمنا من سلع وخدمات أخرى

– وهو وسيلة ادخار أو خزين للقيم، أي نبيع ما لدينا اليوم ونحتفظ بالمبلغ للمستقبل فلا نشتري به وندخره الى حين الحاجة أو نستثمره.

– وأداة للدفعات الآجلة أي نشتري اليوم بالدين كي ندفع فيما بعد

أي نحن ننتج سلع وخدمات في السوق ونستخدم النقود التي تصدرها السلطات المسؤولة لتنفيذ العمليات التي ذكرتها أعلاه. وقد تطور دور النقد عبر التاريخ وتعقد الى حد بعيد اليوم. وأهم شروط العملة هي القبول العام لذا هي تصدر عن جهة سيادية مسؤولة عنها وتستبدلها حين الطلب وتحميها من التزوير.

كميات النقود لا ترمى في الأسواق اعتباطًأ بل تخضع لقواعد. وثمة قوانين لتحديد كمية النقود في السوق، والقانون هو أن كمية النقد في السوق: 1) تتناسب طردًا مع حجم السلع والخدمات في السوق، أي حجم السوق، 2) عكسًا مع سرعة عمليات التداول، وعندما تصمم الدول نقودها (كما فعلت سورية عندما أصدرت عملتها اواسط ثلاثينيات القرن العشرين) تحدد كمية النقود الإجمالية وكم تساوي الوحدة النقدية الواحدة (في البداية كانت تقاس بالذهب) فتصدر النقود بالكمية المحددة وبفئات محددة، وتكلف المصرف المركزي بإدارة النقود. وتدير المصارف المركزية النقد الوطني وكمياته المطروحة في التداول وتسعى للتحكم بها بناءً على معايير كثيرة بحسب السياسة المالية والاقتصادية التي تقررها الأجهزة المسؤولة ولا مجال للدخول بها هنا.

المختصون والمهتمون يعلمون أنه عندما يختل التوازن بين كمية النقود وكمية السلع والخدمات في السوق فإن الاختلال ينعكس على الأسعار، وكلنا نعلم أنه عندما تضح الحكومة كمية من النقود أكبر من الاحتياج وتطبع كميات إضافية من النقود لتمويل احتياجاتها لأن إيراداتها عاجزة، فإن الكمية الإضافية تؤدي لارتفاع الأسعار ونسمية تضخم، وفي سورية اليوم مثال صارخ على التضخم وقد وصل سعر صرف الدولار الأمريكي اليوم الى 3380 ليرة سورية بعد ان كان سعر صرف الدولار نحو ٤٧ ليرة سورية مطلع ٢٠١١.

تصوروا لو أن الحكومة لا تهتم بالتزوير وأصبح متاحًأ بكثرة وقام كل أحد بطباعة دولارات أو ليرات سورية وفق هواه، ألن تصبح قيمة العملة لا شيء؟ الآن يوجد شركات مغامرة كثيرة تصدر العملات الرقمية على هواها دون رقيب او حسيب.

السبب الرئيس من أن العملات الرقمية مزيفة أنها تطبع بدون أن يقابلها سلع وخدمات، ولا تخضع لرقابة أي جهة رسمية مفوضة بالرقابة مثل المصارف المركزية أو من الحكومات كما هو الحال بالنسبة للعملات العادية وأسواق المال والسندات والمصارف ولا تتحمل مسؤولة أمام سلطات رسمية، وتكتسب العملات الرقمية قيمتها من قبول الناس بها. ولنضرب مثلًا: عندما تشتري بيتًا من أحدهم وتبرم معه عقدًا بعد أن يبرز لك صك ملكية (طابو) وتبلغ قيمة ورقة الطابو مع ورقة عقد البيع ملايين أو عشرات الملايين أو أكثر. وأنت تحتفظ بها في مكان آمن. فتصور لو اكتشفت بعد حين أن سند الطابو مزور ولا يقابله في الواقع أي بيت، حينها ستكون خسارتك كبيرة. العملات الرقمية هي هكذا، لا احد يعلم من أصدرها، وإذا نسي المستثمر في البتكوين كلمة السر لحسابه فلا يوجد جهة يمكن أن يتواصل معها لاستعادة حسابه ويخسر دفعة واحدة كل ما يملك . والجهة التي تصدر العملات الرقمية الغامضة لا يكلفها إصدار عملتها أكثر من برنامج حاسوبي وبعض التجهيزات وبعض العاملين وتنظيم ما يسمى العملات الرقمية وتروج لها وتبيعها وتقبض دورلارات أو عملات حقيقية وتودعها في حساباتها في المصارف. والبتكوين اليوم مثلًا ملجًا للفاسدين ولعصابات غسيل الأموال ولمنظمات الجريمة.

من أين تأتي قيمة العملات الرقمية:

في الواقع تأتي قيمتها من قبول الناس بها، والوهم كبير حولها لأن شركات عملاقة ومؤسسات مالية كبيرة وشخصيات نافذة في مؤسسات مالية ومصارف تشكل شبكة على مستوى العام مشتركة بعملية التزوير هذه، وسخروا مراكز دعاية وإعلان وفيسبوك بدأت تشارك بمهرجان التزوير هذا خاصة عبر تأثيرها الكبير لأن لديها اكثر من ملياري مشترك وقد أطلقت عملتها الرقمية “ليبرا” ونظاما مصرفيا اسمه “كاليبرا”. فإذا توقف قبول الناس بالعملة الرقمية ستهبط قيمتها الى الصفر. ويتوقع ان تنفجر بعد حين فقاعة العملات الرقيمة وستضطر الحكومات لحظر التعامل بها وسيخسر الجميع كل ما يملكونة دفعة واحدة بما هو أسوأ من ازمة الفورة العقارية سنة 2008.

الأمر الأكثر خطورة:

ولكن الأمر الأكثر خطورة من كونها عملة زائفة، هو أن تتحول العملات الزائفة هذه الى عملات حقيقية سائدة في السوق. وهذا يتحقق إذا استطاعت الجهات التي تقف خلفها أن تضم اليها قوى أخرى، ونجحت في ترويجها وتعميم قبولها والتعامل بها من قبل قطاع الأعمال ومن قبل الناس عمومًا على نطاق واسع، وفرضت ذاتها على البنوك المركزية وعلى الحكومات. حينها ستصبح شركات القطاع الخاص هي من يصدر العملات، وهي شركات تخضع لدافع الربح ولإرادة مالكيها، وهذا يهدد دور الحكومة والبنوك المركزية في احتكار إصدار النقد وإدارته ورقابته. خاصة وأن جهات العملات الرقمية تطرح إدماج خدمات أخرى تقدمها من خلال عملاتها (مثلا البتكوين تقدم خدماتها من خلال شبكة تسمى تقنية البلوك تشين) بحيث تمكن المتعامل بالعملة الرقمية من أن يدفع بها قمية مشترياته الى البائع مباشرة الى حسابه بالعملات الرقمية وأن يقوم أي فرد بتحويل الأموال أو الاستثمار مباشرة دون المرور بالنظام البنكي، وبالتالي مستغنيًا عن البنوك وعن النقود الوطنية الرسمية. إنها تحل محل الدولة. كما تسعى العملات الرقمية ان تحل محل الدولة أيضًا في أن توثق هي عمليات بيع الأصول وشراءها كالسيارة والمنزل، وربما إصدار البطاقة الشخصية “الهوية” وجواز السفر.

ولا نستغرب هذا فاليوم أصبح قطاع وسائل التواصل الاجتماعي وشركات الإنترنت تسير العالم وهي شركات خاصة يتحكم بها مالكوها وليست الحكومات بعد أن كانت وسائل الإعلام والاتصال تحت سيطرة الحكومات الوطنية. فإن استطاعت شركات العملات الرقمية أن تفرض ذلاتها وعملتها فسينضموا الى شركات الانترنت وشركات وسائط التواصل الاجتماعي وشركات الاتصالات ليشكلوا تحالف شركات خاصة عملاقة يملكها أفراد وتحكم العالم، ويصبح هؤلاء حكام العالم غير المنتخبين. وقد ترون قريبًا الاندماج بين الجهات التي تقف وراء العملات الرقمية وشركات وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت وأمازون وقد غدوا جميعًأ عمالقة، خاصة وأنه لا يعرف حتى الآن من يقف وراء العملات الرقمية.

خطورتها ليس في انها زائفة وحسب، بل الأخطر أن يصبح هذا المزيف هو السيد السائد المتحكم بحياتنا.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: