هل “الدولة القومية” إلى زوال؟

هل “الدولة القومية” إلى زوال؟

مشاركةFacebookX

تقع “الدولة” على نحو متزايد بين فكي كماشة، يُضيّق عليها الخناق كل يوم، فمن الأعلى تضغط عليها مجموعة من العوامل، مثل الاتفاقيات الدولية والمنظمات العالمية التي تسود التشريعات الوطنية، وتنمو قيم وتنظيمات عالمية، كما تنمو قوة الشركات العابرة للدول والقوميات، فتقضم من سيادة الدولة القومية/ الوطنية. وتكاد الاتفاقيات الدولية والمنظمات العالمية تغطي مختلف جوانب حياتنا، من علوم واقتصاد وتجارة وصناعة ونقل وبيئة وحروب وملكية فكرية وثقافة واستخدامات الأثير، بل حتى حقوق الإنسان والطفل والمرأة والقيم الفردية وقيم الديمقراطية تفرض نفسها تدريجيًا، قيما عالمية، تنظمها اتفاقيات دولية وغيرها الكثير.
ومن الأسفل، ينمو الميل اللامركزي في الإدارة، وتنمو منظمات المجتمع المدني، وينمو القطاع الخاص على حساب القطاع الحكومي المركزي. وكلها تقضم من صلاحيات الدولة المركزية ومهامها، وتهبط بها إلى المستوى المناطقي والبلديات والجماعات المحلية. أي سحب سلطات المركز نحو الأسفل. وتصبح المراكز ورجال السياسة والبيروقراطية الحكومية مكروهين أكثر من قبل. بالتالي، تصبح الدولة القومية بين فكي كماشة يطبقان عليها، فمن جهةٍ تتوسع سيادة وسلطة ما هو عالمي. ومن جهةٍ أخرى، تهبط سلطات الدولة القومية المركزية نحو المناطقية والمحلية.
الاعتمادية المتزايدة للدولة القومية، وتزايد تشابك أوضاعها ومصالحها مع العالم، يضعف حدودها القومية موضوعيًا. فكل بلد يصبح معتمدًا على كثير من التصدير والاستيراد للسلع والخدمات ورؤوس الأموال وقوة العمل، وتنعكس أي أزمة اقتصادية في دولة كبرى على العالم بكامله، وأحدث مثال هو أزمة 2008 الطاحنة التي سببتها أزمة الرهن العقاري الأميركي، والمثال الآخر أسعار بورصات السلع ومنها النفط، فأي تراجع في إنتاجه أو زيادة في استهلاكه تنعكس على أسعاره في العالم، ومثله بقية الخامات وعدد من السلع، مثل السكر والقمح. ويصبح كل شخص في العالم تحت تهديد أي قرصان مختبئ في أي بقعة من الأرض، وينشر  

“ينمو الميل اللامركزي في الإدارة، وتنمو منظمات المجتمع المدني، وينمو القطاع الخاص على حساب القطاع الحكومي المركزي”

فايروسات خبيثة. كما يؤثر علينا تلوث البيئة واحترار الأرض الذي تسببه مناطق بعيدة، ينبعث منها كم كبير من الدخان الملوث للبيئة. ثم لنتصور ما يحدث إذا انهارت شركة مايكروسوفت، بينما غالبية كومبيوترات العالم تستخدم برامجها، أو لنتصوّر لو أن نظام الكابلات البحرية أو الأقمار الصناعية الناقلة لنبضات الإنترنت تعطلت لسببٍ ما، فأي كارثةٍ ستحل بالعالم. هذه مسائل تفوق سلطة دولة واحدة، وقدرتها وسيادتها، أو حتى عدة دول. ومن جهة أخرى، تتقارب وتتشابه أنماط عيش البشر وأنماط لباسهم وتخطيط منازلهم وتجهيزاتها بالأدوات والمفروشات نفسها تقريباً، وتتشابه شوارع مدنهم والمدارس والجامعات التي يذهبون إليها، والعلوم التي يتلقونها، وحتى الأدوات التي يستخدمونها (مثلًا أنواع الكومبيوتر والموبايل الذكي وبرمجياتها) والمكان الذي يعملون به، والمصطلحات الموحدة والتعابير المتشابهة التي تدخل كل يوم إلى جميع لغات العالم، وتتقارب حتى طرق التعبير عن المشاعر والغضب، وتخلق وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً عالميًا موحدًا، لا يعترف بحدود أو قيود. وهذا يهدم الحدود والجدران النفسية السابقة، ويضعف شعور “نحن مختلفون”، ويجعل الأفراد أكثر تقاربًا وميولا عولميةً كوزموبوليتانية، وأقل شعورًا بالوطنية السابقة.
نشهد اليوم بروز المجتمع المدني ومؤسساته، والتي تحل محل الحكومات في بعض أعمالها، وتنقلنا من عالم اقتصاد السوق القائم على التنافس والصراع، حيث تكمن مصلحة كل خصم في رمي غريمه في الأرض، بينما تنقلنا مؤسسات المجتمع المدني إلى ساحة التعاون، حيث مصلحة كل طرف في نجاح بقية الأطراف الشريكة، وهو فضاء يشعر فيه البشر بالألفة والتضامن والمودة والثقة. ونشهد نمو منظمات المجتمع المدني ومؤسساته، سواء من حيث العدد أو الانتشار أو القدرة. وقد جاء نمو المجتمع المدني في العقود الأربعة الأخيرة رد فعل مجتمعيا على صعود العولمة ونموذجها الليبرالي. وهي تقوم بمهام متنوعة، بعضها مجتمعي، وبعضها كان يقوم به قطاع الأعمال الخاص، وبعضها كان من مهام الحكومات، وقد باتت اليوم قادرةً على تنظيم مظاهراتٍ ضخمةٍ، تعجز عنها أحزاب كبرى، كما تقوم بدور أكبر للتوسط بين الدولة وقطاع الأعمال والمواطن. ويؤدي نمو دورها تدريجياً إلى تقليص دور كل من الدولة وقطاع الأعمال الرأسمالي على السواء، خصوصا وأن هذه المؤسسات تصبح عابرة للحدود، ويصبح لها سلطان معنوي، على الرغم من أن نشاطاتها محلية، وينطبق عليها القول “فكر عالميًا وافعل محليًا”.
كثيرون منا تسوقوا من أسواق كارفور الفرنسية المنتشرة في كل دول العالم تقريبًا، فهل فكرنا بعدد مراكزها وعدد من يعملون فيها وبسلسلة التزود الهائلة التي تلف الكرة الأرضية لتأمين احتياجاتها. أو هل فكرنا بالشيء نفسه، ونحن نتسوق من شركة إيكيا لاحتياجات المنازل أو بشركة أمازون أو بشركة آبل. فاليوم ينمو دور الشركات العالمية العملاقة العابرة للقومية، وتصبح قدراتها أكبر من قدرات بعض الدول، ويفسح هذا في المجال أمام قيادة اتحادات عالمية قطاعاتٍ بعينها، كأن ينظم قطاع صناعة الصلب من خلال اتحاد عالمي للصلب، تقوده شركات عملاقة تحدد قواعد التنظيم، فتصبح ملزمة للجميع. ويمكن لاتحادٍ مشابه لشركات النفط الكبرى أن تفعل الشيء نفسه، ويمكن أن يدير التعليم اتحاد الجامعات العالمية، وكذلك شؤون المدارس والصحة تديرها قبل اتحاد الصحة العالمي وغيرها. واليوم باتت الشركات الكبرى تعمل بمعزل نسبي عن دولها الأم، بل كثيراً ما تكون مصالحها متعارضةً مع مصالح أوطانها، وقد انعكس هذا في نقل أعمالها، وفرص عملها إلى دول ثالثة، وخصوصا الصين والهند.

هل نملك تصورًا لبدائل الدولة القومية؟
تناولت نظريات عدة موضوع زوال الدولة أو اضمحلالها، مثل سان سيمون وماركس وإنجلز  

“تتوسع من جهة سيادة وسلطة ما هو عالمي، وتهبط سلطات الدولة القومية المركزية نحو المناطقية والمحلية من جهة أخرى”

ولينين، وكان الروسي ميخائيل باكونين الأكثر تطرفًا، غير أن هؤلاء أو غيرهم لم يقاربوا الأمر سوى ببلاغة إنشائية، ولم يقدّموا تصورات ملموسة عن اضمحلال الدولة، وكيف تدار الوظائف المشتركة للمجتمع حينها. لكن التاريخ والواقع يجيبان على الأسئلة التي يطرحها التطور.
مع تأسيس عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، برزت فكرة الحكومة العالمية، ثم بعدها ظهرت الأمم المتحدة ومنظماتها بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من محدودية تأثيرها وتحكم الدول الكبرى بها حتى الآن، كانت خطوات مبكرة باتجاه تكوين سلطات عالمية. ويعد بروز الاتحاد الأوروبي نموذجًا تجدر مراقبته، فقد تطور من اتفاقية الوحدة الأوروبية للفحم والصلب من ست دول أوروبية سنة 1951 إلى أن أصبح “الاتحاد الأوروبي” اليوم، والذي يضم 25 دولة لكل منها سيادتها، لكنها أصبحت مقيدة بتوجيهات واتفاقيات وقرارات توافق عليها الجميع، وتترجمها بروكسل في توجيهات تصبح ملزمة.
قد تكون الفكرة البديلة لتأمين ترابط مدن العالم وقراه، في حال اضمحلال الدولة، شبكات اتحادات المنتجين واتحادات المنظمات المجتمعية، واتحادات المنظمات السياسية المؤسسات المستقلة التي تعمل ذاتيًا، وتنظم نفسها ذاتيًا عبر شبكة عالمية، تدار في مراكز إقليمية ترتبط بمركز افتراضي عالمي، من دون مركز واحد تتحكم دولة محدّدة به. وفي المقابل، ستنمو إدارات ذاتية متطورة لإدارة شؤون المجتمعات المحلية الصغيرة (الكوميونات)، والتي قد تصغر أحجامها وتصغر وفق معايير ومؤشرات كثيرة، نعرف بعضها الآن، بينما ستنشأ معايير أخرى مستقبلًا. وسيكون الانتقال تدريجيًا عبر أشكال تنمو وأشكال تضمحل، ويحتاج الأمر لخيالٍ كثيرٍ على أبحاث ميدانية، لوضع تصورات ممكنة لأشكال إدارة العالم في المستقبل الذي سيكون مختلفا كثيراً عن عالمنا اليوم، حيث ستحل النقود الإلكترونية كليًا محل أي أشكال أخرى لها، وسيكون لكل فرد حساب ترد إليه رواتبه وأرباح أعماله، كما يمكنه الدفع بواسطة الموبايل، أو ما يشبهه، أو بأي طريقة أخرى لم نعرفها بعد. وربما بمجرد نطق كلمة ادفع كذا للجهة الفلانية.
ليست مسألة بقاء الدولة أم اختفائها مسألة رغبة أو إرادة، بل هي شيء يفرضه تطور العلم والتكنولوجيا التي تفرض نفسها، وتوجّه إرادات البشر وقراراتهم وفق متطلباتها.

الاتجاه المعاكس
ولكن هل يمكن أن تختفي الجيوش، وتختفي معها صناعات الأسلحة، وأن يتوقف الغزو والسطو الذي تحركه أطماعٌ لا يعنيها مصير العالم، بقدر مصالحها وأرباحها، ومن سيمنع بزوغ مجموعات مغامرة تسعى إلى الاستيلاء على ما أنتجه الغير بالقوة، أم أننا نراهن رهانًا خاسرًا بأن يصبح جميع الناس أقرب إلى ملائكة، وأن الشياطين ستختفي؟ وهل ستختفي الحدود، ويصبح العالم مفتوحًا، وهل ستختفي شرطة الهجرة التي تراقب المنافذ البرية والبحرية والجوية لتمنع القادمين غير المصرّح لهم بالدخول، مع ما يحمله هذا الانفتاح من مخاطر تدفق، ربما مئات الملايين من البلدان الفقيرة إلى البلدان المتقدمة، بحيث تعجز عن إيوائهم وضبطهم، ما يهدد بالفوضى وفقدان الاستقرار فيها. وينتج هذا الخوف اليوم قوى متطرفة معادية أي انفتاح ترفع شعار العداء للأجانب. ولكن تلك البلدان مضطرة لاستيراد قوة عمل لتعويض النقص في انخفاض مواليدها، ما يهدد بتغيير ديمغرافي وثقافي، بما له من تأثير على القدرة الإنتاجية لهذه البلدان.
ماذا لو سارت الأشياء بعكس هذا الاتجاه، أي باتجاه إعادة سيطرة دولة/ دول مركزية شمولية بقدرات أكبر بكثير، وسطا هذا الكيان الضخم على أدوات السيطرة هذه، فالصين مثلاً دولة  

“هل يمكن أن تختفي الجيوش، وأن يتوقف الغزو والسطو الذي تحركه أطماعٌ لا يعنيها مصير العالم؟”

شديدة المركزية بثقافة مركزية، تضرب في عمق التاريخ، وهي بلد ضخم بهذا الحجم، ويمتلك تكنولوجيا متطورة، وهي تصعد اليوم ساعية إلى أن تحتل الموقع الأول في العالم، في غضون عقدين، أو ماذا لو ابتعلت الولايات المتحدة كندا والمكسيك، لتستمر المركز الأهم في العالم، وهي ما زالت الأكثر تقدمًا من الصين، وتسعى إلى أن تبقى في المقدمة؟ فكيف سيكون شكل العالم مع قوى عظمى مسيطرة، وتملك كل هذا التقدم العلمي الذي يتيح رصد البشر وتحركاتهم وأفكارهم أيضاً، ما يرفع من قدرة هذه القوى المركزية على السيطرة على البشر، بشكل غير مسبوق؟ فمنذ الآن، يتم تجميع كم هائل من المعلومات عن كل فرد منذ أشهر الحمل، وصور الإيكو، ثم السجل الطبي للفرد، وسجله في الروضة والمدرسة والجامعة والعمل، فكلها مخزنة إلكترونيا. ويضاف إليها كم المعلومات الهائل في صفحات التواصل الاجتماعي التي تقدم معلومات مجانية عن كل فرد، وتصنف وتؤرشف من دون علمنا. ثم إن بطاقات الدفع الإلكتروني تسجل وقائع حياتنا، ماذا نشتري وماذا نأكل وأين نسافر وماذا نلبس وماذا نحب وأي مقهى نفضل ونوع الطعام وأي كتب وأي ألعاب نشتري وغيرها الكثير. وكلها معلومات تجمع وتخزن الآن، لكنها لن تكون شيئًا أمام المستقبل.
وقد يكون هذا كله مجرد بداية أمام التطور العلمي، وتقدم تطبيقاتها في أرض الواقع، وخصوصا ميدان الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبرمجياتها، والتي تسيطر عليها مراكز كبرى متقدمة، تقيم فضاءات عالمية تتحكم بها تلك القوى العملاقة، سواء بقيت دول قومية أم تحولت إلى شبكات شركات واتحادات كبرى، تديرها مجموعات لها مصالحها. إذ يمكن أن نتصور أنه في المستقبل القريب لن تحتاج لأي وثيقة لتحديد شخصيتك، ويكفي أن يعطوك اسمًا ورقمًا يوم مولدك، ويفتحوا لك ملفًا في الفضاء السيبراني. ولن تكون بحاجة لجواز سفر ولا هوية ولا أي شيء، وبالتالي، سيحددون من أنت من خلال بصمة عينيك، أو طيفك المغناطيسي، أو رائحتك الخاصة أو ال DNA الخاصة بك الذي تقرأه موجاتٌ تملأ كل مكان، من دون أن تلمسك، أو بهذه مجتمعة. وأينما توجهت، سواء نحو البنك أو البقالة أم الفندق أم المقهى، فثمّة أجهزة تظهر كل معلوماتك بمجرد دخولك، سيحيط بك الطيف المغناطيسي للمدينة، وسيسجل متى تستيقظ، وماذا تتناول على الفطور، ومتى تخرج وأي شارع تعبر، وأي وسائط نقل تستخدم، ويرسل كل هذه المعلومات إلى ملفك الموحد عبر العالم. وستكون الكرة الأرضية مراقبةً بآلاف الأقمار الصناعية التي ترصد كل زاوية في الكرة الأرضية كل ساعة. لن يكون في وسعك الاختباء، ولن تقيد أي جريمة ضد مجهول.
من قبل، كنا نرى أفلام خيال علمي لمصانع للبشر، لكن القدرة على تشييد مصانع للبشر باتت أمرًا واقعاً، وأصبح في الوسع إنتاج بشر وكائنات حية معدلة وراثيًا. ومن جهة أخرى، تتطور صناعة الروبوتات التي تحل محل الإنسان بكفاءة أكبر، في عمل أشياء كثيرة، بما يهدّد بتحولها إلى أداة للسيطرة.
كل ما قلته يطرح السؤال: في أي اتجاه تسير الدولة القومية والعالم اليوم؟

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: