نموذجان في السلطة من الإسلام السياسي

نموذجان في السلطة من الإسلام السياسي

مشاركةFacebookX

ينتصب أمامنا نموذجان متقابلان للإسلام السياسي، التركي والفارسي. اختط الأول لنفسه نهجاً عصرياً، فاتبع قواعد اللعبة الديمقراطية المعاصرة التي تحترم إرادة الناس، وتحتكم إلى صناديق الاقتراع، وحافظ على قواعدها وتمسك بها، فحافظ على الحريات العامة، ونشاط قوى المعارضة. وعلى الرغم من أن السلطة العلمانية التركية قمعته سياسياً وبقوة قبل عام 2000 ، بما في ذلك استخدام سلطة العسكر لإبعاده عن السلطة، وحل أحزابه أكثر من مرة، فقد بقي متمسكاً باللعبة الديمقراطية، ولم يورّط بلاده في العنف، ففاز في النهاية، واستطاع أن يقدم نموذجاً ناجحاً لإدارة تركيا، وحقق تقدماً اقتصادياً لافتاً جعل تركيا في المركز 17 عالمياً، من حيث حجم اقتصادها، وانعكس هذا تحسناً في تحسين حياة الناس ومعيشتهم، مما أدى إلى إعادة انتخابه “حزب العدالة والتنمية” أكثر من مرة، وبفارق كبير عن أقرب منافسيه، بل كانت فئات واسعة من القوى الديمقراطية العلمانية تمنحه أصواتها لهذا السبب. وعلى الرغم من أن له أطماعاً في توسيع دوره ونفوذه في المنطقة، وخصوصاً في منطقة النفوذ العثماني السابقة، بما سمي العثمانية الجديدة، فقد اتبع “القوة الناعمة”، ولجأ إلى توسيع علاقاته الاقتصادية مع بلدان الجوار، و”تصفير” العلاقات السياسية، أي جعلها صفراً، على حد تعبير رئيس وزرائه، أحمد داوود أوغلو، فسعى إلى حل الخلافات السابقة مع مختلف جيرانه، وأنشا محطات تلفزة بلغات بلدان المنطقة، ومنها العربية، وبدأ يدبلج مسلسلاته التلفزيونية، من أجل تعزيز وجوده الثقافي أيضاً. وفي الانتخابات الأخيرة، قدم مثالاً آخر على إسلام سياسي عصري، إذ قبل بتراجعه في الانتخابات الأخيرة، على الرغم من أنه بقي الحزب الأول وبفارق كبير، ولم يلجأ إلى القمع والتزوير، أو القول “هذه مؤامرة”، على طريقة الحكام العرب وإيران، بل أخذ يسأل: لماذا تراجع وماذا يريد الناس، وفي عهده نال الأكراد حقوقاً لم ينالوها من قبل، ووصلوا إلى البرلمان بهذا العدد الكبير، كما وصل أرمن ومسيحيون بعدد أكبر إلى البرلمان أول مرة. النموذج الثاني من الإسلام السياسي الحاكم هو الفارسي، الذي طبق نموذجاً قروسطياً بعيداً عن روح العصر، فصادر إرادة الناس وكمم أفواههم، وزور إرادتهم، وقمع المعارضة بالنار، ويتهم أي رأي معارض بأنه “مؤامرة”، ويقمع أية حقوق قومية لشعوب إيران المتعددة، ومنها العرب بملايينهم. ويستخدم القوة الصلبة لتحقيق مآربه، وقد بدأ، منذ توليه السلطة، العمل لتصدير الثورة، وبدأ في التحرش بالعراق واستفزازها، لكي ينتج صراعاً خارجياً، يلفت أنظار الداخل إليه، ويسمح له أن يقمع الأصوات الداخلية القوية المحتجة على التصفيات الواسعة التي يقوم بها للقضاء على معارضيه، ثم أسس أحزاباً دينية خارج إيران، تتبعه وتأتمر بأمره، مؤججاً صراعاً مذهبياً يستخدمه رافعة لوجوده، تحت ما تسمى سلطة “الولي الفقيه الذي هو نائب “حاكم الزمان”، الذي هو “إرادة الله على الأرض”، ويستمر في قمع الحريات العامة، وفرض نمط من الحياة المتشدد على الناس. وقد أدى نهجه هذا إلى وضع إيران في صدام مع محيطها، واستنزف مواردها في برامج تسليح نووي، وضعها تحت حصار دولي، وقد شكل هذا كله مناخاً طارداً للاستثمار مع انتشار واسع للفساد، مما أدى إلى تراجعها الاقتصادي وتدهور مستوى معيشة الإيرانيين، وانتشار الفقر في بلاد مؤهلة لأن تكون في مقدمة دول المنطقة اقتصادياً.

“إن جماعات واسعة من الإسلام السياسي الشعبي الوسطي ترى في الإسلام السياسي التركي مثالاً يُحتذى، وقد نما هذا التوجه في بدايات الربيع العربي 2011”

تكون النموذج التركي تاريخياً في بلاد تسودها تقاليد ديمقراطية، وتقودها قبضة عسكرية قوية منذ تأسيسها، وتطبق علمانية راديكالية، قطعت بين الدين والحياة السياسية، فاضطر الإسلام السياسي أن يتعلم هذه اللعبة، وآمن بأنها الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة، محترماً مبدأ تداولها، وقد تأثرت تركيا بملايين الأتراك الذين يعملون في أوروبا، عبر أجيال عدة منذ ستينيات القرن العشرين، وخصوصاً في ألمانيا، حيث يبلغ عدد الأتراك قرابة 3 ملايين، وقد عاشوا في ظل لعبة ديمقراطية، يتبادل السلطة فيها اليسار الديمقراطي والحزب المسيحي الديمقراطي، وتعلموا منها الكثير.
إسلام إيران هو وريث سلطة الشاه القمعية، معارضة تربت تحت قمع البوليس السياسي في عهد الشاه “السافاك”، الذي أنتج معارضة سياسية على شاكلته، تؤمن بالعنف وإقصاء الآخر ووأد الحريات العامة والفردية. واستمر “السافاك” تحت مسميات أخرى، وعلى نطاق أوسع وأشد قسوة.
هنا برزت القاعدة المعروفة أن “كل سلطة تنتج معارضة على شاكلتها”، وقد أنتجت السلطات السياسة العربية، في المقابل، إسلاماً سياسياً راديكالياً، يقوم على التكفير والتفجير، غير أن جماعات واسعة من الإسلام السياسي الشعبي الوسطي ترى في الإسلام السياسي التركي مثالاً يُحتذى، وقد نما هذا التوجه في بدايات الربيع العربي 2011، وكان حزب العدالة والتنمية حينها يطرح نفسه نموذجاً يحتذى لجميع بلدان الربيع العربي، وسعى إلى تشجيع أحزاب وقوى إسلامية في هذه البلدان، لتتخذ هذا النهج، ودفع الربيع العربي في هذا الطريق، ليكون “ربيعاً عربياً إسلامياً وفق النموذج التركي”، لكن القمع الذي واجهت به السلطات العربية احتجاجات الربيع العربي السلمية، همّش القوى الديمقراطية وأبعدها، ودفع فئات واسعة من الإسلام السياسي المعتدل نحو الراديكالية، منتقلاً من نموذج أردوغان إلى نموذج “طالبان”، وسيكون أمام قوى الإسلام السياسي الوسطي المعتدل أن تقطع شوطاً واسعاً لكي تستطيع أن تكون القوة الأكبر بين قوى الإسلام السياسي التي تقبل اللعبة الديمقراطية، إلى جانب قوى ديمقراطية وعلمانية، لكن هذه العودة تشترط ضرب قوى التطرف والإرهاب وتحقيق الاستقرار، بما يفسح أمام المواطن العادي أن ينتظم في تنظيمات سياسية، تعبر عن رأيها، وتمارس دورها بحرية، لكن تحقق مثل هذا الاستقرار لا يبدو أمراً سهلاً.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: