ماذا لوّ
ماذا لو؟

ماذا لوّ

مشاركةFacebookX

عادةً نردد المثل: من زرع اللو حصد ياريت، ولكن ورغم ذلك فسؤال “لو” مفيد لاستخلاص الدروس والعبر من أحداثٍ خلت ولا يمكن إعادتها، وضمن هذا المنطق نسأل:

ماذا لو لم يحصل في سوريا ما يحصل منذ 2011؟

بفرض أن سوريا لم تشهد هذه السنوات العجاف منذ 2011 وحتى الآن، لكنا تجنبنا نحن السوريين كل هذا الموت وهذا الدمار المادي والمجتمعي، ولكانت سوريا استمرت في الطريق الذي كانت تسير عليه.

كانت سوريا ستستمر في الطريق الذي سلكتهُ قبل 2011، مع ميلٍ نحو الانحدار، لأن الأسس التي أديرت بها البلاد والمصالح المسيطرة للطبقات الحاكمة والعقلية التي تدار بها البلاد والإدارة الضعيفة والفاسدة لن تؤدي إلى هذه النتائج.

كانت سياسة الانفتاح على الطريقة السورية ستستمر، وهي نسخة خاصة من السياسة الليبرالية، وكان المسؤولون مسرورين بتعليقات وفد صندوق النقد الدولي عندما كان يأتي لمراجعة الأوضاع النقدية والمالية لسوريا بحسب المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق، والذي كان يقول : إن سوريا تطبق إجراءات برنامج البنك الدولي طوعًا دون ابرام اتفاق معه. وقد تسارعت هذه الإجراءات الليبرالية السورية بعد سنة 2005، وبدأت آثارها الاقتصادية بالتزايد، وكانت نتيجتها أن تم تحريض الاستهلاك بدًلا من الانتاج، وتزايد الاستيراد بأسرع من تزايد الصادرات، وسيستمر توسع القطاعات الخدمية الريعية مقابل إهمال الصناعة والزراعة، وهما القطاعان المنتجان الرئيسيان في سوريا.

وسيستمر رفض إصلاح القطاع العام ليبقى “بالوعة” تهدر ثروة البلاد ونهبًا للمتنفذين، وسيستمر تراجع إنتاج النفط مقابل تزايد استهلاكه، وتراجع قيمة الفائض منه، وسيستمر تدهور التعليم الحكومي بكافة مراحلة مقابل نمو التعليم الخاص المدفوع، وتدهور خدمات الصحة الحكومية مقابل توسع القطاع الخاص مرتفع التكلفة، وتزايد أزمات مياة الشرب وأزمة السكن لمحدودي الدخل، مع التوجه للنشاط العقاري للأغنياء. وسيستمر الفساد بمعدلات مرتفعة دون معالجة، وسيستمر القضاء فضاءً لضياع حقوق الضعفاء. كل هذا مع عجز عن خلق فرص عمل للقادمين الجدد إلى سوق العمل، مما سيرفع معدلات البطالة ومعدلات الهجرة للخارج، وسيزيد العجز عن رفع معدلات الأجور لتقابل تزايد تكاليف المعيشة، مما يزيد معدلات الفقر التي بلغت سنة 2010 نحو 32% من الأسر السورية.

ستستمر سيطرة رأسمالية تلوذ بالسلطة وتوجيه السياسة الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم مصالحها، على حساب المصالح العامة للسوريين. وسيزداد اتساع التفاوت في الثروة والدخل بين جموع الفقراء ونخبة الأغنياء. وسيزداد استغلال قوى الإسلام السياسي التي تعمل تحت الأرض لهذه الأوضاع وستوسع نفوذها المعادي للسلطة، وستستمر السلطة في غض طرفها اتقاءً لإثارتها.

سيستمر مجلس الشعب والنقابات وأحزاب الجبهة هياكل عظمية بدون أي دور وأي فائدة، وسيستمر صوت الشعب مكتومًا بدون تنظيمات سياسية ونقابية تعبر عن مصالحة، وبدون حريات عامة، وسيستمر دور أجهزة الأمن بالتغول لمواجهة أي انفجار قد تخلقه هذه الأوضاع المتردية. وستزيد تركيا من سيطرتها الاقتصادية على سوريا، بينما تزيد إيران من نفوذها السياسي.

سينمو انتشار الانترنت ووسائل التواصل، وسيتزايد اطلاع المواطن عما يوجد في العالم من تقدم وازدهار وحريات وكرامة، وسيقيم المقارنات، وسيتراكم غضبه مما سيصيبه بجلطات دماغية، وينضج شروط الانفجار.

لو تخلت السلطة عن عنجهيتها، ولم تستمع لنصائح إيران القاتلة، وادركت السلطة الخطر الداهم منذ انفجار تونس نهاية 2010 ثم انتقال النار الى مصر وليبا، و سارعت قبل آذار 2011 و طرحت برنامجًا يقدم وعدًا بمعالجة هذه الظواهر التي عددناها أعلاه، أو حتى لو استدركت بعد 18 آذار 2018 واستمعت لكثير من النصح المخلص، وطرحت مثل هذا البرنامج المحدد بخطواته وتوقيتاته، لاجتمعت كل القوى الخيرة تدعم برنامجها، و لقطعت الطريق على المتربصين بسوريا، ولكانت سوريا تجنبت الكارثة، ولشهدت نهضة اقتصادية وعمرانية واجتماعية وسياسية، ولكانت الآن في حالٍ يغيظ أعدائها ويسرُ أصدقائها.

لكن من زرع الـ “لوّ” حصد “يا ريت”.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: