تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- ماذا كنت أقرأ؟
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- ماذا كنت أقرأ؟

مشاركةFacebookX

بعض من تجربتي في الحزب الشيوعي السوري – ماذا كنا نقرأ

سأسرد هنا ما له علاقة بالمناخات الثقافية في الحزب، وسأستطرد بما كنت اقرأه وأهتم به كمثال على جيلي.

كما ذكرت من قبل فقد انتميت للحزب الشيوعي مبكرًا، وطبعًا لم يكن انتمائي عن معرفة ووعي، بل كان تأثرًا بمؤثرات صغيرة بعيدة عن الأفكار الكبيرة. وبدأت بحضور اجتماعات الفرقة الحزبية مذ كنت في الصف السابع، وكانت الفرقة مؤلفة من خمسة تلاميذ بذات الصف، وكان جدول أعمال كل اجتماع يتضمن حسب ذاكرتي: (الخط السياسي، النشاط الجماهيري، الثقافة، المالية). ولم يكن الحزب يمنح الثقافة أهمية تذكر. وكان الأمر ذاتيًّا حسب الاهتمام الفردي. وبالتالي لم يكن الانتماء للحزب بحد ذاته يجعل من كلّ شيوعي مثقفًا، فالغالبية لم يكن لديهم سوى اهتمام محدود بالقراءة، وما لم يكن لدى الفرد شغف ذاتي بالقراءة، فلن يستطيع الاستمرار فيها. ولم تكن الأجواء العامة في الحزب الشيوعي أجواء ومناخات ثقافية وقراءة وجدل في الكتب، وكان الحديث المتكرر بالسياسة الى مالا نهاية، ولكن كان ثمة دافع عام يحوم فوق رؤوس الشيوعيين وهو الشعور بواجب التعرف على الماركسية وعلى اللينينية بخاصة، وكانت بعض كتب لينين الأكثر قراءة من كتب ماركس بين الكادرات الحزبية، بينما اهتم المثقفون الماركسيون من أصدقاء الحزب و اليساريون، من غير المنضوين بالتنظيم، بماركس وبكتابات ماركسيين آخرين. ولم تتميز كادرات الحزب بالثقافة الواسعة، ولم يهتموا بكتابة الكتب، ولم يكونوا قادرين على ذلك. وحتى خالد بكداش نفسه ليس له أي كتب ذات قيمة، سوى بحث عن حي بن يقظان كتبه في شبابه، ويقال أنه أول من ترجم البيان الشيوعي عن الفرنسية، ثم جمعوا خطاباته القديمة في كتاب اثناء فترة خلافات الحزب. ولم يكتب القادرة الآخرون البارزون أي كتب: رياض الترك، يوسف فيصل وغيرهم.

سأعود للماضي قليلًا:

كنت قد بدأت بالقراءة مبكرًا، وكانت البدايات حين كنت في الرابع الابتدائي، بطلب من جدّتي التي شاهدتني أحمل أحد الأناجيل بيدي، مما كان لدينا في البيت، ولم يكن أحد يهتم بها، فطلبت جدتي ان أقرأ لها، وقرأت لها على مدى عامين الأناجيل الأربعة، وبعضًا من فصول التوراة مثل التكوين وسفر أيوب، لتقوم هي بالتفسير والشرح حسب محفوظاتها، وفي الصف الخامس، بدأت بقراءة بعض الروايات التي كانت في مكتبة البيت، وأذكر منها رواية اسمها (ليلى والحكيم) لكاتب لبناني، فيها وعظ أخلاقي ونصائح. واذكر كم كانت جدتي سعيدة بي وبقرائتي الأناجيل لها، كما أذكر كم اصبحت حزينة وغاضبة بعد أن أقلعت عن ذلك، وأصبحت أظهر لها استخفافي بالدين، رغم صغر سني، بعد أن أصبحت شيوعيًا.

شكلت السينما التي افتتحت في السقيلبية سنة 1959، وكان عمري ثمان سنوات، نافذة على العالم، أطل منها على عوالم جديدة هي كالأحلام، فقوة الصورة المعروضة على الشاشة والقادمة من البعيد من أوروبا وأمريكا ومن مصر والهند تركت أثراً كبيراً بي، فقد رأيت مدن أوروبا وأمريكا وشوارعها وجسورها وأبراجها الشاهقة وأنماط اللباس والبيوت وفرشها والسيارات وطبيعة العلاقات التي تنشأ بين أولئك البشر، والموضوعات المختلفة التي تثيرها. وقد شاهدت على شاشتها كسر “تابوات” محرمة. فقد شاهدت “البطل” يقبل “البطلة” علناً، وبدأت أرى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة على نحو يختلف عما ألفته، وبدأت أسمع اللغة الإنكليزية والفرنسية والإيطالية دون أن أفهم، ولكن نغمتها تستقر في الرأس.

بعد انتمائي للحزب:

خلق انتمائي للحزب لدي الرغبة بالمعرفة، معرفة كل شيء، وشعرت وكأن واجبي أن أقرأ في السياسة والاجتماع والفلسفة والأدب والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة والفن ورغبت حتى بالتعرف على فن الرسم وعلى السينما، ولكني لم أستطع ان أحقق أي تقدم في مجال الفن والأدب. فليس لدي أي مهارة فنية او أدبية.

وبعد انتمائي للحزب، وكنت في الصف السابع، بدأت أقرأ ما يتوفر بين يدي، ولم يكن كثيرًا، وقد توفرت مجلات الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وألمانيا الديمقراطية، وكتيّبات صغيرة توزع مع مجلة الاتحاد السوفيتي أحيانًا، وأذكر منها كُتيبًا عنوانه “هكذا بدأت الاشتراكية”، وفي صف الثامن حصلت على كتيب “المادية الديالكتيكية” وكتيب آخر “المادية التاريخية”، وكان لهذين اللفظين مهابة، فكان يقال لنا أنها أس المعرفة الماركسية. لذا حرصت بعد بضع سنوات على قراءة الكتابين الشهرين الكبيرين بذات العنوانين، “المادية الديلكتيكية”، و “المادية التاريخية” قرأتهما باهتمام كبير.

منذ الصف الخامس وما بعد، كان الراديو مصدرًا لمعرفتي، وكنت أستمع للراديو لعدة ساعات كل يوم لبرامج مختلفة وللأغاني، ولم يكن التلفزيون قد انتشر في سوريا بعد، وكنت استمع بخاصة لنشرات الأخبار وأذكر بخاصة أخبار إذاعة دمشق وعدة برامج، وأذكر بخاصة المسلسل الإذاعي عن رواية حنا مينة “الشراع والعاصفة”، وإذاعة لندن وأخبارها وبرنامج “قول على قول” لحسن الكرمي، وإذاعة القاهرة وبرنامج “لغتنا الجميلة” لفاروق شوشة وغيرها.

في سنوات الإعدادي أولعت بقراءة الروايات، فقرأت كتب جبران خليل جبران، وعددًا من الروايات العالمية، أذكر منها (الأم) لغوركي، (الجريمة والعقاب والأخوة كرامازوف) لدوستويفسكي، (لمن تقرع الأجراس والشيخ والبحر) لهمنغواي، (الأحمر والأسود) لستاندال، و(آنا كارنينا) لتولستوي وغيرها، وكنت أشتريها آنذاك بثلاثة أرباع الليرة للنسخة الواحدة من دكان فهد مخائيل ليوس “أبو كسار”، وفي الثانوي اخذت أقرأ أشعار المقاومة الفلسطينية، لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان، وأشعار نزار قباني الذي أعجبت به كثيرا (كان الحزب يعتبر أن على الشيوعي ألا يقرأ لنزار قباني وأمثاله)، ثم انتقلت إلى عوالم الأدب السوفيتي، فقرأت منه الكثير.

وفي الثانوي، وكنت في ثانوية أبي الفداء بحماه، أتيح لي عرض اكبر للكتب والمجلات، فبدأت أهتم بالسينما، وكنت قد اولعت بالسينما منذ افتتاحها في بلدتي السقيلبية سنة 1959، ثم كنا نسمع في أوساط الحزب ما قاله لينين عن فن السينما وعن السينما، فاجتمع الواجب بالرغبة، وقرأت على مدى 3 سنوات أعداد مجلة السينما المصرية، وكانت مجلة رفيعة المستوى.، ومجلة الآداب الأجنبية التي تصدر في دمشق، وبدأت باكرًا أستمع الى برنامج تبثه إذاعة دمشق عن الموسيقة الكلاسيكية، وكان يعده ويقدمه “فاهي تمزجيان”، رغم أنها كانت شيئًا جديدًا بالنسبة لعالمي، ولكنها كانت “من سمات الإنسان الحديث”، وكنت أصمد لأوقات استمع لها، فكنت أشعر أنها من “الوزن الثقيل”، وجدير بالشيوعي أن يتذوقها، رغم أنها غريبة عن ذائقتنا. كان لدي وعي غامض أن الشيوعي يجب أن يفهم في كل شيء، لذا كانت مختلف موضوعات الكتب تشدّني، فتوزعت اهتماماتي بين هذا وذاك، بدلًا من التركيز على قطاع معين، ولم يكن ثمة “إرشاد” في الحزب. وفي سنة البكالوريا 1969 – 1970 أصبحت الاجتماعات الحزبية شبه اليومية تأخذ الكثير من وقتي، فقد أصبحت عضوًا في قيادة منظمة ثانويات حماه للحزب، وإضافة لذلك فقد ألزمت نفسي خلال ذات العام بقراءة عدد من كتب لينين. واذكر انني اردت قراءة كتاب ماركس “انتي دوهرنغ” ولكني لم استطع ان اكمل به. فاندرت الى غيره.

كلّما كنت أكبر، كنت أرتفع إلى مستوى آخر من الكتب، مثل المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية والاقتصاد السياسي وكتب ماركس وأنجلز ولينين، وبدأت تستهويني كتب أخرى ذات صلة بتلك الموضوعات ولها علاقة بحياة الزعماء، ومنها كتاب عن اغتيال جون كينيدي، وحين شاهدني المسؤول الحزبي ذات مرة، وكنت في الثانوي في حماة، أحمل كتاب (اللامنتمي) لكولن ويلسون، نصحني بأن مثل هذه الكتب تجعل الرفيق “يضيع”. ولا أعلم لماذا انجذبت إلى قراءة الاقتصاد مذ كنت في الثانوي، ولم أكن قد قرأت (رأس المال) بعد. وأذكر أنه قد شدني مبكرًا كتاب الاقتصاد السياسي لنيكيتين، كما شدتني بعض كتيّبات الاقتصاد التي بدأت أحصل عليها بحكم وجودي بحماة للدراسة. كما كانت مكتبة الشرق التي افتتحت في السقيلبية -بيع كتب وقرطاسية- قد بدأت بتوفير كتب سياسية، وخاصة كتب دار التقدم السوفيتية، التي تصدر الكثير من الكتب في شتى المجالات وطرحها بسعر رخيص، كما كنت اتابع ونشرات أنباء نوفوستي اليومية إضافة للجرائد السورية وغيرها.

بعد دخولي كلية الاقتصاد بجامعة حلب، أصبح الاقتصاد هو الاهتمام الرئيس، وكنت أنظر إلى كتاب رأس المال لماركس بنوع من القدسية، أما الاقتصاديون الآخرون الذين ندرس ونقرأ لهم في الجامعة، مثل سميث ريكاردو وكينز وشومبيتر وغيرهم، فكان لي موقف عدائي مسبق منهم على أنه “فكر رأسمالي” حكمًا. ولكن بقيت السياسة موضوع اهتمامي وخاصة كتب لينين، وأذكر أنني في تلك السنوات كنت أحرص على قراءة أعداد مجلة الوقت التي كانت تصدر شهريا في براغ، وهي مجلة للحركة الشيوعية العالمية، ومجلة الطريق اللبنانية، وهي تتبع الحزب الشيوعي اللبناني، ومجلة الطليعة المصرية، التي كان يصدرها الماركسي المصري لطفي الخولي، وأذكر من أجمل الكتب التي قرأتها آنذاك كتاب “اشهد أنني قد عشت” وهي مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، وكتاب “داغستان بلدي” لرسول حمزاتوف.

ترافقت سنواتي الجامعية، 1970 – 1974، مع سنوات انفجار أزمة الحزب الشيوعي السوري التي انفجرت في المؤتمر الثالث سنة 1969، وتصاعدت لتصل الى بدء انقسام الحزب بعد بيان 3 نيسان 1972 الذي أصدره خالد بكداش بدعم من السوفييت، ثم الطلاق النهائي بعد أن عقد كل طرف مؤتمره المستقل سنة 1974، وسار الحزبان في طريقين متباعدين. وكان هذا يعني انغماس الشيوعيين بموضوعات الخلاف وصراعاته. وقد استنزفت الاجتماعات الحزبية جزءً كبيرًا من وقتي خلال سنوات دراستي الجامعية، وخاصة بعد أن أصبحت في سنتي الجامعية الثانية عضوًا في قيادة منظمة جامعة حلب للحزب “اللجنة الفرعية لجامعة حلب”، وكانت تتألف من خمسة أعضاء، وكنت مسؤولًا عن الفرق الحزبية في كلية الآداب بجامعة حلب ومعهد إعداد المعلمات في حلب، فكان لدينا كل يوم أكثر من اجتماع، وكانت الاجتماعات الأسبوعية للجنة الفرعية تبدأ في المساء وتنتهي مع الفجر، وحتى الأوقات التي نمضيها في الجامعة كان النشاط الحزبي هو جزؤها الرئيسي. فقد غدت الأولوية للنشاطات السياسية على حساب الدراسة. وقد تخرجت من الجامعة صيف 1974. ثم حتى نهاية خدمتي العسكرية صيف 1977، وكنت قد استدعيت للخدمة العسكرية في ٢٥ شباط ١٩٧٥ وهو يوم اسود لا انساه، فقد حرمت من الذهاب لاكمال دراساتي العليا.

وخلال خدمتي العسكرية بقيت قراءاتي تنتقل من ميدان الاقتصاد إلى السياسة فالأدب والتاريخ. وقد اتيح لي خلال تلك السنوات الكثير من اوقات الفراغ اتاحت لي قراءة العديد من الكتب ، ولكن تلك الكتب كانت سببا في التحقيق معي بتهمة نشاط شيوعي في الجيش. نعم فقط بسبب قراءة كتب ماركسية كان معظمها في الاقتصاد والأدب.

منذ بدأت عملي في مؤسسة الإسكان العسكرية مطلع 1978 (عملت فيها حتى بداية حزيران 1985) اتجهت للاهتمام بموضوع عملي، فعدت لأقرأ كتب عن الإدارة والمالية والمحاسبة وعن القانون، وعن اقتصاد قوة العمل واقتصاد المقاولات وعن إدارة الشركات واقتصاد الشركات وغيرها، إلى جانب قراءاتي السياسية والاقتصادية، بقدر ما يتوفر من وقت، فقد كان وقت العمل في الإسكان العسكري يستهلك جل وقتي، فقد كان عملي يستغرق كل يوم عشر ساعات على الأقل، وبعد 3 سنوات، أصبح يستغرق 12 ساعة صبحًا وعشية. وقد بدأت حصة الأدب تتراجع. وقد كانت فترة الإسكان العسكري فترة تكوين خبرة عملية كبيرة جدًا بالنسبة لي. ولكن تم تسريحي من العمل بتاريخ 1 حزيران 1985 بموجب كتاب من المخابرات العسكرية بسبب نشاطي الحزبي داخل المؤسسة. و في 15 أيلول 1985 وصلت الى لايبزيج في المانيا الديمقراطية لمتابعة دراستي العليًا موفدًا من الحزب الشيوعي.

وإبّان وجودي في ألمانيا لإكمال الدكتوراه في اقتصاد الشركات، والتي توقفتُ عن إكمالها قُبيّلَ بضعةِ أشهرٍ من خط النهاية لأسباب مادية، ورميت جهود خمس سنوات في البحر، فقد كنت متزوجًا ولي طفلتان، وكانت الأزمة الاقتصادية الطاحنة في سوريا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، فاضطررت للذهاب للعمل في ليبيا. وفي المانيا تركزت قراءاتي بالألمانية على اختصاص “اقتصاد الشركات”. وفي ليبيا (بين آب 1989 وكانون الثاني 1995) أتيح لي الكثير من الوقت للقراءة، فتمكنت من قراءة كتب كبيرة مثل الثلاثية الشهيرة لألفن توفلر “Alvin Toffler”، وموسوعة “قصة الحضارة” لويل ديورانت Will Durant بأجزائها الأربعين (النسخة العربية)، وجميع روايات نجيب محفوظ وغيرها, ولكن الكثير من أنواع الكتب لم يتوفر في دولة القائد معمر القذافي، فكنت أقرأ ما يتوفر، وكانت تأتي مجلة الناقد التي تصدر في لندن، ولم تكن توزع في معظم البلاد العربية. وكانت تجربتي في ليبيا لخمسة أعوام ونيف بالمجمل تجربة بائسة، سأكتب عنها يومًا.

منذ صيف 1987، وكنت في ألمانيا، قطعت صلتي التنظيمية بالحزب الشيوعي السوري، ولكني بقيت أكتب في نضال الشعب ودراسات اشتراكية كمنبر للنشر، وبقيت على هذا المنوال حتى عودتي من ليبيا 1995، فعدت لأساهم في المكتب الاقتصادي للحزب حتى سنة 1999 حيث انقطعت أي صلة لي بالحزب بعد ذلك، وكانت القطيعة بعد أن أعددت تقريرًا عن الاقتصاد السوري وبرنامج اقتصادي حاولت فيه أن أدخل فيه بعض التفكير الجديد، ولكن كان هذا ضرب من العبث. وكان من بين أعضاء المكتب الاقتصادي آنذاك كل من د. داوود حيدو مدير مكتب تسويق النفط، والمهندس رأفت الكردي مدير عام سادكوب، والمهندس مفيد حلمي مدير عام أفتوماشين، ورضوان مارتيني وزير الاتصالات.

في تشرين الأول 1996، بدأت عملي مع فرع سوريا لشركة (بتروفاك) للنفط والغاز البريطانية، فبدأت حينها أهتم باقتصاد النفط واقتصاد الطاقة في سورية، وأهتم بالاقتصاد السوري تحديدًا. وكانت هذه السنوات حتى سنة 2010 من أكثر سنوات حياتي استقرارًا، والأعلى دخلًا بحكم عملي مع شركة “بتروفاك”، وهي مجموعة بريطانية تعمل في قطاع النفط والغاز، وكان يديرها رجل الأعمال السوري أيمن الاصفري، ثم عملي مع مشاريع المساعدات التقنية للاتحاد الأوروبي، حيث أعددت عدة دراسات عن قطاعات الاقتصاد السوري، وأيضًا عملي مع مجموعة الغرير الإماراتية، وكنت قد كثفت قراءاتي عن الاقتصاد والإدارة، والاهتمام على نحو خاص بالاقتصاد السوري، وكنت أقرأ الدراسات والتقارير التي تصدر عن مراكز الدراسات وعن المنظمات الدولية مثل البنك الدولي WB وصندوق النقد الدولي IMF ومنظمة التجارة العالمية WTO وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP ومنظمة العمل الدولية ILO ووكالة الطاقة الدولية iea ومنظمة الشفافية الدولية Transparency Internationalوتقارير ممارسة الأعمال Doing Business وغيرها. وفي تلك الفترة تركز اهتمامي على قراءات اقتصاديات التنمية ودور الدولة والخصخصة وبعض كتابات اقتصاديين ليبراليين مثل فون هايك وميلتون فريدمان، ولكن قرأت هؤلاء كنموذج للفكر الذي أعاديه لأنه يمنح كل المزايا لرأس المال على حساب قوة العمل، بينما قرأت للمفكر اليساري الجريء تشومسكي، وتعرفت على الاقتصادي المصري سمير أمين وقرأت عددا” من كتبه، وقرأت العديد من إصدارات سلسلة عالم المعرفة الكويتية حول الاقتصاد والإدارة ، واهتممت بتجارب أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية في تنظيم الإدارة والاقتصاد وشبكة الضمان الاجتماعي، واهتممت باقتصاد السوق الاجتماعي، وهو النموذج الألماني، ويطلقون عليه “الرأسمالية المنظمة” حيث تتدخل الدولة بشكل ذكي لإصلاح الخلل الذي يصيب اقتصاد السوق، واهتممت على نحو خاص بتجربة الصين وكتبت كتابًا عن تجربتها، هو أشبه بتقرير، وكانت غايته أن اقدم بعض المعرفة بالتجربة الصينية الرائدة في القفز من الفقر الى الغنى، ومن التخلف الى التقدم، ولكني منحت الكتاب عنوانًا ذي دلالة “حزبٌ شيوعيٌ يبني اقتصادًا رأسماليًا” وكان هذا ضمن الحوار الذي يجري في سوريا حول سبل الإصلاح والتنمية الاقتصادية وسياسات الحكومة، وكنت قد انخرطت في حوارات الإصلاح الاقتصادي بقوة منذ عودتي من ليبيا مطلع 1995 حيث كنت أنشر مقالات قصيرة وطويلة بشكل أسبوعي في الجرائد والمجلات السورية وأشارك في الحوارات التلفزيونية وفي ندوة الثلاثاء الاقتصادي، وقد شاركت في عدة لجان حكومية لوضع برامج الإصلاح الاقتصادي، ولكن جماعة السلطة القوا جميع تقاريرنا بالقمامة، فلم يكن ثمة رغبة بوضع أي برنامج، وقد كتبت عدة دراسات حول هذا الموضوع، وقد نشرت احدها باللغة الإنكليزية. كما شاركت في مفاوضات الشراكة السورية الأوروبية وعملت لسنوات حول هذا الموضوع. لقد كانت تلك السنوات بين 1995 و 2010 من أكثر فترات حياتي إنتاجًا.

عندما تأملت هذا السرد لما قرأته خلال حياتي استنتج أنني قد افتقدت الى التركيز، وقد بعثرت الكثير من الوقت والجهد في قراءات حول الأدب والسياسة والتاريخ والأديان أكثر مما يجب، وحتى في الاقتصاد قرأت حول كل شيء، إضافة الى أنني امضيت سنوات طويلة في وظيفة تتطلب دوام وعمل. وقد أفقدني هذا التخصص الضيق الضروري في هذا العصر، ورغم أني اهتممت بالشؤون المالية والمالية العامة والنقود، ولكني لم أمنح هذا الجانب الكثير من وقتي. والآن فات الأوان للإصلاح.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: