لغز أسعار النفط

لغز أسعار النفط

مشاركةFacebookX

تبدو حركة أسعار النفط لغزاً عصياً على التنبؤ، وهو في صعوده وهبوطه الواسع يخلق المنافع الكبيرة للبعض ويلحق أذىً كبيراً بالبعض الآخر، وذلك بحكم الحجم الهائل لهذه السلعة الاستراتيجية التي يقدر سوقها السنوي بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار، بينما يبلغ حجم المضاربة عليها في سوق العقود الآجلة بأكثر من ثلاثة أمثال هذا الرقم.

وتفشل نماذج التنبؤ بمسار حركتها في المستقبل، ويصبح عمل خبراء النفط والبرامج الحاسوبية المعقدة أشبه بعمل المنجمين.

السبب الذي أعلنته السعودية ومنظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، بأن غايتها من خفض الأسعار هو الحفاظ على أسواقها في مواجهة النفط الرملي والطاقات المتجددة، لا يصمد أمام المحاكمة. لأن طرد منتجي النفط الرملي والطاقات المتجددة من السوق، والتي تزايد إنتاجها بعد ارتفاع أسعار النفط، يحتم عليها الاستمرار بالبيع بسعر أقل من 50 دولاراً للبرميل لأجل غير مسمى، لأن عودة الأسعار إلى الارتفاع ستعيد المطرودين إلى السوق ثانية.

وبالتالي لا تبدو هذه سياسة منطقية، لأنها توقع خسائر مستمرة بمنتجي النفط التقليدي، وهم غير قادرين على تحملها على المدى الطويل.

أيضاً لا يصمد التعليل الآخر لحركة الأسعار بأن النفط لم يعد سلعة محتكرة يمكن التحكم بأسعارها، فما زالت أوبك تنتج نحو ثلت الإنتاج العالمي، وبإضافة روسيا وأميركا سترتفع

النسبة عن نصف إنتاج العالم. وقد تم خفض الأسعار بقرار من أوبك، عندما قررت عدم خفض إنتاجها لمواجهة انخفاض الأسعار كما كانت تفعل في الماضي، بل زادت السعودية إنتاجها من 9.6 ملايين برميل قبل سنة من الآن، إلى 10.6 ملايين برميل في يوليو/تموز 2015.
 
وهذا يعني أن التحكم بالسوق ما زال ممكناً، ومن هو قادر على إغراق السوق بالنفط لخفض سعره، قادر أيضاً على تجفيفه ورفع السعر.

ونظرياً، يمكن للسعودية أن تخفض إنتاجها بمعدل مليوني برميل يومياً لتعيد السعر إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

 ومن جانب صناعة النفط في العالم، فإن إنتاج النفط ونقله وتكريره وتخزينه وتسويقه وتوزيعه تسيطر عليه شركات كبرى في العالم، وللأميركان حصة كبيرة منها أو تأثير كبير عليها، مما يجعل لهم ولحلفائهم قدرة كبيرة على التحكم بالأسعار.

ولعل الدافع السياسي هو السبب الرئيسي في خفض أسعار النفط، وتشترك فيه السعودية، التي تريد الضغط على قيادات إيران والعراق، مع أميركا التي تريد الضغط على قيادات روسيا وإيران. فسعر النفط المرتفع منح إيران خلال رئاسة نجاد قدرة على التوسع في مشروعاتها الإقليمية في العراق وسورية ولبنان واليمن والخليج وأفريقيا، وخلق تدخلها عدم استقرار في المنطقة، فقد كان النفط يوفر لها نحو 100 مليار دولار ويشكل نحو 80% من عملتها الصعبة، و60% من دخلها.

لذا فخفض الأسعار يصيبها في مقتل، ويجبر قادتها على التفكير بعقلانية أكبر. وقد كان لخفض الأسعار دور كبير في توقيعها اتفاق النووي. ولكنها وبرغم ذلك مستمرة بتقديم دعم سنوي لحزب الله بنحو نصف مليار دولار، ولنظام الأسد بنحو ثلاثة مليارات دولار، ويقدرها البعض بأكثر من ذلك.

كما أدى خفض السعر إلى تقليص قدرة القيادة العراقية على دفع الرواتب وتحسين الخدمات، وأدى لما نشهده اليوم من انتفاضة ضد الفساد المستشري ونهب العراق المنظم، مما قد يجبر قيادتها على القيام بإصلاح سياسي أولا، كمدخل لأي إصلاح وللقضاء على تنظيم داعش.

ولكن إن كان للسعودية غاية في خفض الأسعار، فلماذا لا تقدم روسيا وهي المستهدفة، وهي من أكبر المنتجين في العالم، على خفض إنتاجها الكبير من النفط كي ترفع الأسعار، بينما زادته ليصبح حالياً 10.8 ملايين برميل يومياً؟ ولكن ما هي العوامل التي تجعل هذا الاستنتاج النظري غير قابل للتطبيق؟

مستقبل الأسعار

ستبقى أسعار النفط وسط شد وجذب مجموعة من العوامل، السياسية والاقتصادية والمالية لمصالح متعارضة عبر العالم. وبحكم أهمية النفط لمختلف قطاعات الاقتصاد ومختلف مناحي الحياة، فهو أداة تستخدم للتحكم بنمو قطاعات معينة، وللتأثير في أوضاع محددة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

فالأسعار المرتفعة تخلق فوائض كبيرة توجه نحو تمويل قطاعات تدر ربحاً إضافياً كبيراً، وينمي الاستهلاك في الدول المنتجة للنفط مما يزيد من وارداتها، أما في حالة انخفاض الأسعار فهو يخفض تكاليف المنتجات، وخاصة قطاعي الصناعة والنقل، بما ينمي الإنتاج والتصدير ويخفض عجز الميزان التجاري ويخلق فرص عمل ويخفض البطالة.

والبلدان غير المنتجة للنفط لها مصلحة صافية في خفض الأسعار. مثلاً ساهمت أسعار النفط المنخفضة بشكل ملحوظ في زيادة الصادرات اليابانية وخاصة السيارات. كما ساهمت في تحسّن معدل نمو الاقتصاد الأميركي ذاته لما يزيد عن 3.5%، رغم أنها قسمت ولاياتها بين متضرر ومنتفع، فقد انعكس خفض سعر الوقود في الولايات غير النفطية وفورات في جيوب الأميركيين، انعكست في ازدياد مبيعات المتاجر، مما ساهم في تعزيز النمو الاقتصادي.

أما الولايات النفطية فقد شهدت نوعاً من الكساد الجزئي. كما شهدت بلدان أخرى هبوطاً في معدلات البطالة مثل بريطانيا وتحسن نموها الاقتصادي، وغيرها.

من جهة أخرى، توجد مصالح كبيرة في رفع الأسعار، فانخفاضها يلقي أعباءً كبيرةً على ميزانيات الدول النفطية عموماً وأوبك خصوصاً، التي يحتاج أعضاؤها إلى سعر 100 دولار للبرميل، لكي يعادلوا أوضاع ميزانيات بلدانهم.

وتظهر ميزانيات الدول النفطية الخليجية عجزاً متصاعداً، وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن تهاوي أسعار النفط يكبد العرب 380 مليار دولار سنوياً. كما أن قطاع النفط الصخري الأميركي الذي وصل إنتاجه إلى ما يزيد عن 5 ملايين برميل يومياً في 2014، يحتاج لسعر يزيد عن 60 دولاراً للبرميل، كي يستطيع الاستمرار، كما أن جميع شركات النفط الكبرى والصغرى، بما لها من نفوذ هائل، هبطت أسعار أسهمها متكبدة خسائر كبيرة، وستواجه صعوبات مالية مع استمرار هبوط الأسعار.

كما هبطت أسعار أسهم شركات خدمات النفط بمتوسط يتراوح بين 30% و50%، كما هبطت أعمال الشركات المصنعة لتجهيزات ومستلزمات قطاع النفط والغاز والطاقات المتجددة، وهبطت مبيعات السيارات الكهربائية مقابل تقدم مبيع السيارات ذات الدفع الرباعي التي تستهلك الكثير من الوقود.

وبين ضغوط المصالح السياسية والاقتصادية التي تدفع بالأسعار نحو الهبوط، وبين تلك التي تدفعه نحو الصعود، تبقى النتيجة غير قابلة للتنبؤ.

ومنطقياً، يبدو أن أسعار النفط المنخفضة غير مرشحة للاستمرار، ولكن لا أحد يمكنه الجزم بأن الأسعار ستعود إلى الارتفاع قريباً، أم ستستمر في الهبوط. فهذا القرار يعرفه المتحكمون بالأسعار وحدهم.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: