لجنة الـ 18 للإصلاح الاقتصادي سنة 2000

لجنة الـ 18 للإصلاح الاقتصادي سنة 2000

مشاركةFacebookX

بعد أن ورث بشار الأسد السلطة عن والده حافظ أسد الذي توفي في 10 حزيران 2000 في مسرحية كل شيء فيها متقن ومدير سلفًا، وجرت مسرحية الانتخابات بنسبة 99.99% وإن كان بشار يومها متواضعًا وقبل بنسبة 97% كي لا يكون بسوية “القائد الخالد”، ثم القى خطابه الرئاسي الأول في 17 تموز 2000 الذي قدم به وعودًا غامضةً بالتغيير، واستبشر الناس به خيرًا وهم مرغمون، ليس فقط لأن معارضة توريث السلطة تعني الموت بل لأن السوريين بحاجة للأمل، فأرادوا ان يستبشروا خيرًا بقدوم هذا الشاب المتعلم الذي لم يكونوا يعرفون عنه شيئًا قبل وفاة شقيقه الأكبر باسل الذي كان يعده حافظ أسد لوراثته ولكن وافته المنية في حادث سير مروع في كانون الثاني 1994. وكي يقبل السوريون هذا التوريث الغريب “جمهورية وراثية” سعى بشار لأن يقوم ببعض الأفعال التي كان والده قد أجل فعلها إلى حين توريث السلطة لتسجل في حساب وريثه، فقام بعدد من الأعمال مثل إزالة الحواجز ودوريات الأمن من المدن وتخفيف تدخل الأمن في حياة الناس وأفسح في المجال أمام الدراما السورية لتتناول الأمن بالنقد وحتى السخرية وتبعها بعد ذلك ادخال الموبايل وأعطاه لابن خاله وفتح أمام الاعلام الخاص ولكن تحت رقابة الحكومة، وغيرها من أعمال ليرغب الناس به مع استمرار جوهر السلطة ونظام الحكم دون أي تغيير.

لجنة ال 18 للإصلاح الاقتصادي:

بعيد تسلم بشار السلطة بشهرين أي في شهر ايلول 2000 شكل لجنة لدراسة الاقتصاد السوري وعرفت بلجنة ال 18، لأنها تكونت من 18 خبير اقتصادي ورجل اعمال، وكان من بين أعضائها عارف دليله، ورزقالله هيلان، وتيسير رداوي، وأيمن عبد النور، وعلي كنعان ، وراتب الشلاح وابو الهدى اللحام وغسان قلاع و آخرين لا أذكرهم الآن وكنت أنا أحد أعضاء هذه اللجنة، وسمي محمد الحسين رئيسًا للجنة بحكم أنه قد انتخب عضوًا في القيادة القطرية في المؤتمر التاسع لحزب البعث الذي عقد في 18 حزيران 2000 أي بعد أسبوع واحد من وفاة الأسد الأب، وقد عقد المؤتمر كي يبايع بشار الأسد وريثًا لأبيه، وتمت تسمية محمد الحسين رئيسًا للمكتب الاقتصادي في القيادة القطرية، وكان الحسين قبل ذلك شخصًا مغمورًا، و لم يكن له أي حضور في الحياة الاقتصادية ولم يكن له أي كتابات أو مساهمات. ولكن هذه هي سلطة البعث. وكان محمد الحسين متل الأطرش بالزفة، لم يكن يتكلم، بل كان دوره يقتصر على تنظيم الدور بالكلام، وكان بين حين وآخر يسترضي الدكتور عارف دليله أن يخفف من نبرة خطابه القوي الذي عرف به فكان عارف يتكلم عن الفساد بقوة، وكانت مهمة محمد الحسين ان يرجوه أن يخفف كلامه.

أثار تشكيل لجنة ال 18 بعض اهتمام الأوساط السورية واهتمام بعض وسائل الإعلام العربية والأجنبية، فهي كانت تترقب ماسيفعله هذا الشاب، فهي المرة الأولى التي تشكل بها لجنة من شخصيات من خارج جهاز الدولة لتضع برنامج إصلاح اقتصادي، خاصة وأن الصحافة الرسمية والإعلام الرسمي (وكل شيء كان رسمي حينذاك)، بدأت تستخدم كلمات وعبارات أكثر انفتاحًا، وتردد كلمة التغيير، وبالأحرى استخدمت مكنة إعلام النظام تعبير التغيير أولًأ وبعد ان استتب الأمر لبشار الأسد استعملوا كلمة إصلاح بدًلاً من التغيير، وبعدها تخلت عن عبارة الإصلاح وأحلوا محلها عبارة التحديث والتطوير، وفي النهاية لم يتم لا تغيير ولا إصلاح ولا تحديث ولا تطوير.

في الاجتماع الأول للجنة ال 18 فتح رئيس اللجنة محمد الحسين النقاش، وبدأ الحاضرون بالإدلاء بآرائهم، بدون أي مقدمات، ولم يكن ثمة قرار على الطاولة بتشكيل اللجنة يحدد مهامها وما ستفعله ولا نظام عملها، وعندما سألت محمد الحسين انه من المفيد بداية أن يوضح لنا مهام اللجنة وآليات عملها والمدى الزمني، “بربر” الحسين ببعض العبارات، ثم تابع الاستمارع للآراء تعرض دون أي تحضير، فلم يطلب من أحد أن يحضر اي ورقة او أي شيء.

اي برنامج إصلاح في سورية يحتاج لمناقشة أسئلة كبرى يوضع حولها دراسات اقتصادية تقنية ثم يتخذ قرار سياسي بها مثلًا أن يناقش دور الدولة ودور القطاع الخاص في الاقتصاد وسياسة الحماية او الانفتاح وإلى أي مدى، ففي سورية كان يوجد قطاع عام كبير مترهل وخاسر وغير ضروري في جزئه الأكبر، وبه استثمارات بالمليارات، وكانت الدولة تحتكر على نحو ضار الاستثمار في عدد من القطاعات الاقتصادية، وكانت تتبع سياسة دعم الأسعار مقابل أجور متدنية للعاملين في الدولة وتقيد التجارة الخارجية وتضع حواجز أمام الاستثمار الأجنبي وتفرض مستويات ضريبية مرتفعة جدًا مع تهرب ضريبي كبير وفساد واسع ولا يوجد بنوك خاصة ولا تأمين خاص ولا تعليم خاص وكانت هذه الخدمات في منتهى الرداءة الخ، وكان على اي برنامج إصلاح أن يناقش هذه الموضوعات المفصلية الكبرى ويطرح السيناريوهات حولها ويبين نقاط قوة وضعف كل سيناريو وغيرها ويرفعها للقيادة الاقتصادية والسياسية لتتخذ ما تراه مناسب من قرارات ولكل سياسة جديدة او توجه له آثاره على الإنتاجية والعدالة الاجتماعية والتوفيق بينهما ليس بالامر السهل وهو موضوع صراع مصالح بين فئات المجتمع وطبقاته ولبرنامج الإصلاح مراحل اي صياغة البرنامج عملية متشابهة ومركبة جدا بما يتطلب الية عمل مختلفة تمامتدا. ولكن أي من هذا لم يتم.

عبر عدة شهور عقدت لجنة ال 18 جلسات أسبوعية وأحيانًا أكثر من جلسة في الأسبوع، وكانت الاجتماعات تعقد في إحدى الشقق الأرضية في ابو رمانة وهي شقة تابعة لأمن الدولة، وكان يومها بهجت سليمان هو من يتابع هذه اللجنة ونتائج عملها بحكم أنه كان مكلفًا من قبل حافظ أسد بالإشراف على تدريب بشار الأسد. وعملت اللجنة لعدة شهور وكانت تناقش في جلسة أو اثنتين قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني وكل من الحاضرين يدلو بما تيسر له، وفي نهاية المناقشة كان أحد الأعضاء يكلف بوضع ورقة/دراسة عن القطاع الذي تمت مناقشته لتسلم لمحمد الحسين، وكان نصيبي انني كلفت بوضع دراسة عن قطاع الزراعة. وبعد عدة شهور انتهت اللجنة من أعمالها وانفرط عقدها دون أن تناقش الأوراق التي وضعها أعضاؤها ولا “وثيقة برنامج الإصلاح” التي يفترض أن اللجنة قد خرجت بها، فقد جمع محمد الحسين ومن يقوم بمساعدته، وجمعوا الدراسات المفردة التي قام بها أعضاء اللجنة في دراسة واحدة، ولم تعطى الوثيقة لأعضاء اللجنة واعتبروها سرية حتى بالنسبة للأعضاء الذين صاغوها انفسهم، وتمت مكافأة كل عضو في اللجنة ب 50 الف ليرة سورية. ولم يسمع أحد عن نتائج عمل تلك اللجنة.

لقد كان واضحًا أن الغاية ليست دراسة الاقتصاد السوري ووضع برنامج إصلاح اقتصادي بل كانت الغاية إثارة ضجيج وخلق إنطباع أن بشار الأسد يفعل الشيء المختلف عن والده وأنه “رجل التغيير”.

يتبع : لجنة إصلاح القطاع العام في ربيع 2001

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: