لجنة إصلاح القطاع العام الصناعي في ربيع 2001

لجنة إصلاح القطاع العام الصناعي في ربيع 2001

مشاركةFacebookX

ربيع 2001 تشكلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء مصطفى ميرو لجنة لإصلاح القطاع العام الصناعي، وعرفت بلجنة ال 35 نسبة لعدد أعضائها، كان في عضوية اللجنة فؤاد اللحام ونبيل سكر وايمن عبد النور وعمار بكداش و جمال القادري وآخرين لم اعد أذكرهم وكنت أنا من بينهم. ولا يغرنكم العدد الكبير فمن عملوا بجد هم نحو خمسة من أعضائها أما الباقون فكانوا نوعًا من تمثيل بعض الأحزاب والنقابات. وهنا أذّكر بقاعدة تشكيل اللجان الكبيرة، فهي تشبه المركبَّات الكيميائية مثل المنظفات أو الأدوية، فالمادة الفاعلة فيها تكون نسبة صغيرة جدًا والبقية مادة مالئة من ماء ومنكهات. ولكن كان لهذا الأمر فوائده، فغالبية اعضاء اللجنة لم يحضروا معظم الاجتماعات، وبعض من كان يحضر كان يشارك في النقاشات وحسب ثم يذهب دون تكليفه بأي مهام، وكان هذا من فضائلهم على اللجنة لأن اللجنة بعددها الكبير كانت تضم عقلياتن من تلك التي لا خبرات لديها بأكثر من تكرار ما تعلمته ومارسته وهي متشبثة بمفاهيم عتيقة، لذا كان لغيابهم فوائده مما سمح للفريق الصغير أن يقوم بعمله، فقد تمكن من وضع الأفكار والتصورات وصياغة النصوص وتعديلها وفق الفهم المنفتح للفريق الصغير، وقد كنت أنا مع فؤاد اللحام وعدد قليل من الزملاء الآخرين ضمن الفريق الصغير. وقد عملت المجموعة الفاعلة في اللجنة على مدى عدة أشهر، أنجزت في النهاية نصًا ممتازًا لإصلاح القطاع العام الصناعي، وكان لدى الدولة نحو 98 مؤسسة وشركة كبيرة صناعية يعمل بها بضع مئات من آلاف العاملين وكان معظمها يتكبد خسائر وكان عبئًا على موازنة الدولة واللاقتصاد الوطني.

اعتمدت اللجنة في برنامج إصلاحها فكرتين رئيستين:

الفكرة الأولى:

أ‌- ان يتم تقييم الشركات الصناعية الحكومية (القطاع العام الصناعي) وفق منهج تقييم علمي من قبل خبراء، وأن تصنف شركات القطاع العام بعد التقييم في ثلاث فئات:

1- فئة أولى تضم الشركات الاستراتيجية التي تريد الدولة ان تحتفظ بها في القطاع الصناعي لأسباب كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية مثل شركات النفط وشركات توليد الطاقة وشركات صوامع الحبوب والمطاحن والمخابز وما شابهها وهي شركات ليست كثيرة،

2- مجموعة ثانية تضم شركات غير استراتيجية ولكنها قادرة على المنافسة في السوق والربح مثل شركات الإسمنت وشركة الشرق للملبوسات وشركات نعبئة المياه وشركات انتاج البيرة والمشروبات الكحولية وما شابهها، وهي شركات ليست كثيرة

3- شركات ليست استراتيجية وليست قادرة على المنافسة في السوق مثل شركات صناعة الملبوسات وشركات صناعات غذائية وشركة اقلام الرصاص والكبريت وغيرها من شركات وهي شركات كثيرة من حيث العدد.

ب‌- أن تتخذ الدولة قرارًا بالاحتفاظ بالفئتين الأولى والثانية، وتصفية شركات الفئة الثالثة، ليس خصخصة، بل تصفية، ونقل ملكية مواقع ومباني بعضها الى جهات حكومية أخرى تستعملها لأغراض أخرى أو بيع مواقعها من أراض ومباني بالمزاد العلني للقطاع الخاص، وخاصة أن مواقع ومباني الكثير منها أصبحت ذات قيمة كبيرة، أو عرض بعضها على القطاع الخاص للمشاركة.

ت‌- أن تستخدم الدولة حصيلة مبيعات الشركات التي يتم تصفيتها لتمويل وتطوير الشركات الأخرى التي احتفظت بها

الفكرة الثانية: أن يتم تنزيل صلاحيات المؤسسات وصلاحيات الوزارة ووضعها بيد الإدارة التنفيذية ومجلس إدارة الشركة لمنحها المرونة الكافية للعمل في السوق واتخاذ قرارات الاستثمار والبيع والشراء والتعاقد والاستخدام والاستغناء عن فائض العمالة الخ، وأن يوضع نظام للمتابعة والتقييم والمحاسبة بحسب النتائج. وهذا ينزل بالقرارات من يد مدير المؤسسة ويد الوزير الى يد من يدير الشركة مباشرة. السبب أن عدد كبير من القرارات التنفيذية التي تحتاجها الشركات للعمل بمرونة وكفاءة ونجاح كانت بيد مدير عام المؤسسة وبيد الوزير وبيد اللجنة الاقتصادية وبيد رئيس الوزراء. تصوروا لم ان شركة توزيع ألمانية اتصلت بشركة الشرق للملابس الداخلية والتي لديها القدرة على انتاج ملابس داخلية من افضل النوعيات في العالم ودعت مديرها العام للتباحث لفتح التعاون بينهما، فهذا المدير للا يستطيع ان يقرر السفر بذاته بل عليه اخذ موافقة كمدير المؤسسة والوزير وأن يوافق له بعدها رئيس الوزراء على ان يأخذ معه 2000 دولار مثلًأ يقبضها من البنك المركزي، وهذه الإجراءات تحتاج لأسابيع. ولسنا بحاجة لأن نقول انه من المضحك ان يكون هذا القرار بيد رئيس مجلس الوزراء. ومثال آخر، كانت شركة بردى لإنتاج البرادات المنزلية في القدم بدمشق تحتاج لموافقة الوزير على تغيير موديل اي براد تريد إنتاجه وكان السعر يحدد من الوزير أيضًا وكان ربح الموزع ضئيل فلم يكن لمحلات توزيع الأدوات المنزلية مصلحة في بيعه، وكانت معظم محلات البيع هي قطاع خاص. وكان السوق يغص ببرادات ينتجها القطاع الخاص بمواصفات تناسب الاحتياجات وبأسعار مقبولة. لذا كان في شركة بردى نحو الف مشتغل لا ينتجون شيء يذكر تقريبًا وكانت معداته الإيطالية تعود لمنتصف سبعينيات القرن العشرين دون تجديد.

واورد هنا المثال الآخر: أي شركة حكومية أو مؤسسة خدمية عامة عندما تريد استيراد شيء مثل مواد أولية ام تجهيزات أم خلافه تعد إعلان مناقصة وتعطي مهلة شهرين للتقدم أو أكثر وبعد استلام العروض مع الكفالات المصرفية الابتدائية وقيمتها نصف بالمئة من قيمة العرض، تشكل لجنة مناقصات لفض العرض الفني وبعده يفض العرض المالي وتعد اللجنة الفنية والمالية في الشركة تقريرها فيكون القرار طلب كسر الأسعار فتذهب المناقصة في دورة أخرى مدتها شهر أو أكثر وبعد الكسر وقرار اللجنة من جديد ترفع التقرير مع أوراق المناقصة لمدير عام المؤسسة التي تتبع لها الشركة الذي يوافق عليه او يطلب تعديله ويرفعه للوزير للموافقة وهذا شهر آخر على الأقل، ويتم إبلاغ الفائز بالمناقصة ويطلب اليه تقديم كفالة حسن تنفيذ قدرها 10% من قيمة العرض، وهذه تأخذ إسبوعين أو أكثر، وبعدها يأتي الأمر الأصعب وهو تخصيص عملة صعبة لفتح الاعتماد المستندي بالمصرف التجاري السوري وهذه تستغرق شهر أو ستة شهور حسب توفر العملات الصعبة بالمركزي وحسب أهمية المناقصة وحسب قوة مدير عام المؤسسة أو الوزير. وبعد فتح الاعتماد المصرفي المعزز غير القابل للإرجاع يبدأ المورد بالتنفيذ ويحتاج شهر من فتح الاعتماد وإذا كانت المناقصة طلب تصنيع فيحتاج الأمر فترة 3 الى 6 شهور حسب الطلبية. معنى ذلك. إذن عندما تحتاج جهة حكومية إدارية أو اقتصادية أي مادة فإن تأمينها يستغرق ستة أشهر حتى العام. بينما يستطيع القطاع الخاص ان يختصر كل هذه الشهور الكثيرة ببضعة أسابيع او بضعة أيام او حتى بالهاتف.

وطبعًا كان في برنامج الإصلاح كان ثمة تفاصيل كثيرة حول سياسات الأجور والرواتب والمكافآت والحوافز .. وكانت الغاية ان نمنح الشركة الحكومية التي تعمل في سوق تنافسية مرونة قريبة من مرونة القطاع الخاص وهذا هو المتبع في شركات القطاع الحكومي في البلدان المتقدمة.

لاقت هذه الأفكار والبرنامج المقترح للإصلاح رد فعل غاضب من الحكومة ومن الوزير ومن مدراء المؤسسات، لأنه يجردهم من صلاحياتهم البيروقراطية المعيقة للعمل، لأن هذا التنظيم يعني ان القرارات لم تعد بيد مدير عام المؤسسة ويد الوزير ولا تحتاج عقود المشتريات على موافقاته ولم يعد يتحكم بمن سيربح المناقصات الخارجية وكذلك بقية أعضاء الحكومة.

كانت نتيجة هذه اللجنة أن عبد الحيلم خدام استدعى بعض اعضاء اللجنة، ولم أكن من بين من استدعاهم، ووبخهم على هذا البرنامج. نعم عبد الحيم خدام نفسه المعادي لأي إصلاح ولأي ديمقراطية، وبعد أن استخدموه ليلعب دور “الكراكوز” في عملية توريث السلطة، واحتفظوا به لبعض الوقت، ثم فقط عندما استغنوا عنه “عمل معارض” ولكنه لم يقدم أي تحليل مفيد لآليات عمل النظام ولم يتحدث عن أي صناديق مغلقة بل بقي مخلصًا لسيدة حافظ أسد حتى مماته.

كانت نتيجة هذه اللجنة هي لا شيء.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: