كي لا تكون موجة حماس عابرة في قطر

كي لا تكون موجة حماس عابرة في قطر

مشاركةFacebookX

“قطر بعد الحصار لن تكون قطر قبل الحصار”، هذه هي خلاصة ما قاله أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطابه في يوليو/ تموز الماضي، والتي تضمنت خطوطًا عريضةً لرؤيةٍ جديدةٍ في مجال الاقتصاد والاستثمار. وحين سمعت الخطاب، اعتقدت أن وسائل الإعلام القطرية ومؤسساتها الأكاديمية ستبدأ مرحلة جديدة من الحوار المعمق، بحيث تكون هي نفسها في الغد غير ما كانت عليه أمس، خصوصا أن الكلمة جاءت على تطوير المؤسسات الإعلامية. وكان متوقعا أن تشكّل كلمة الأمير انطلاقة جديدة لوسائل الإعلام القطرية، لإطلاق حوار مجتمعي واسع، وإثارة مناقشات لعشرات الموضوعات الرئيسة، والخوض عميقاً في مئات الموضوعات الجزئية وتحليل واقع الاقتصاد والاستثمار والعمل والإدارة، واستشراف المستقبل، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، سوى بحدود ضيقة غير كافية. وما زالت وسائل الإعلام بعيدة عن هذا الدور، وثمة بونٌ شاسعٌ يفصلها عنه، سواء الصحف أو التلفزات، بما له من دور مهم جدًا، وكأن الإعلام بعد الأزمة سيبقى الإعلام قبل الأزمة.
لكن، لماذا هذه المناقشة العامة المفتوحة بما تجلبه من “وجع رأس” للمسؤولين الحكوميين المشغولين أساسًا بهذه الموضوعات في مكاتبهم المغلقة، ثم ألا يكفي أن الحكومة ومؤسساتها تناقش هذه الموضوعات الآن ليل نهار؟ وهل من المناسب إرباكهم بنقاشاتٍ يدخل فيها أطراف كثيرون بما يشكله هذا من تشويش هم في غنى عنه؟
على الرغم من وجاهة السؤال، تقول خبرات العالم إنه في جميع بلدان العالم التي حققت تقدمًا، كان الانفتاح والحوار المجتمعي المستمر بشأن الاقتصاد والإدارة أحد أركان نجاحها. أما  

“في بلدان العالم التي حققت تقدمًا، كان الانفتاح والحوار المجتمعي المستمر أحد أركان نجاحها”

بالنسبة لقطر اليوم، فستشكل الرؤية الجديدة تحولًا في سياسات راسخة، وأنماط عمل وتفكير وعيش متبعة، ما يعني الحاجة لقوة دفع كبيرة. ولا تأتي قوة الدفع هذه فقط عبر قراراتٍ يتخذها مسؤولون في الدولة، على الرغم من أهميتها، فكي تكون هذه القرارات فاعلةً، فإنها تحتاج إلى استعداد مجتمعي، وإلى وعي ومعرفة عميقة، ملموسة ومشخّصة وميدانية. وهذا يأتي عبر الحوار المجتمعي المفتوح والمناقشات الصريحة العميقة التي ينخرط فيها الجميع أفرادًا ومؤسّسات، فلا بد من مشاركة المسؤول الحكومي، فهو “سائق قطار” مؤسسات الدولة. كما أن مشاركة الأكاديمي المختص في الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية مسألة أساسية، كي تسهم بقسطها العلمي في هذا الحوار، ومن المهم مشاركة قطاع الأعمال الخاص والحكومي على السواء، فهو بخبراته العملية والتصاقه بالواقع يشكل المسطرة التي تقيس مدى ملاءمة السياسات والتوجهات وتقيّيم القرارات وأداء المؤسسات العامة. أما المواطنون، فهم الكتلة الحرجة التي يتوقف على موقفها ومنهج حياتها وأنماط تفكيرها وعيشها وسلوكها، نجاح الاستراتيجيات المرسومة أو إخفاقها، إذ “لا معنى لحرية التعبير، ما لم يكن للمواطن الحق في المعلومة”.
تنتج جميع هذه المشاركات عقلاً وطنيًا جمعًيا هائلًا، يعمل كآلة جبارة، بقدرةٍ تفوق كثيرًا مجرد الجمع الحسابي لعدد قليل من العقول الحكومية التي تدير المؤسسات. وتعد هذا المشاركة أساسا لمساعدة المؤسسات الحكومية في التوجه إلى الوجهة الأصح، بل يشكل هذا العقل الجمعي نوعا من الرقابة والمتابعة للأداء الحكومي، والإعلام هو حاضنة هذا الحوار التي يمكنها أن تقوم بهذه المهمة الجليلة.
ما الذي يمكن مناقشته؟ ما أكثر الموضوعات، فسواء كان بسبب الأزمة التي افتعلها “حصار الأشقّاء”، أم بسبب طبيعة الحياة المتغيرة ذاتها، “فإن ما كان صالحاً البارحة لن يكون صالحاً في الغد بالضرورة”، فالحصار من “الأشقاء”، والذي ينطبق عليه “ربّ ضارة نافعة” فرصة للمكاشفة وتشخيص النواقص والأخطاء والعثرات، وتدفع بالعمل الجاد لتجاوزها، وتدفع إلى “الاجتهاد والإبداع والتفكير في المستقبل والمبادرات البناءة”. وهذا توجه عريض، تتم ترجمته بقضايا كثيرة، هنا بعض أمثلة:
التحدي الاستراتيجي الأكبر والأصعب هو تراجع إنتاج قطاع الهايدروكاربون وإيراداته، خلال عقدين، ليس بسبب تراجع كميات الإنتاج، بقدر ما هو بسبب تراجع الفرق بين كلفة الإنتاج وسعر البيع، وهي مازالت اليوم كبيرة، على الرغم من تراجع أسعار النفط، الناجم عن تطور بدائل أخرى منافسة لطاقة الهايدروكاربون وانخفاض تكاليف إنتاجها وأسعارها (طاقات متجدّدة، طاقة الهيدروجين وغيرها). بينما يشكل قطاع الهايدروكاربون العمود الفقري لاقتصاد قطر واقتصادات بلدان مجلس التعاون، ما يتطلب البحث عن مصادر جديدة للدخل، والنجاح في التنويع الاقتصادي، وهي مهمة شاقة، خصوصا وأن ريع الهايدروكابون الوفير قد أحدث الاطمئنان، ونوعًا من الاعتمادية الكسولة. لذلك لا بد من إشعال الضوء على هذه المسألة التي بقيت نسبيًا في منطقةٍ معتمةٍ بالنسبة للجمهور العريض، على الرغم من أنها معروفة جيدًا على مستوى الحكومة، فمناقشة هذا الموضوع تسهم بتشكيل وعي بحقيقة ما هو قادم، وتجعل السكان أكثر تفهمًا لأي سياساتٍ ترشيدية، وتحفّز الهمم على العمل الجاد المنتج، والتكيف مع التوجهات الجديدة، وتنمية “ثقافة الاقتصاد في الاستهلاك” بدلًا من ثقافة الاستهلاك التبذيري التي حرّضها الدخل السهل الناتج عن ريع قطاع الهايدرو كاربون.
وإذا كان الجميع يقر بالحاجة الى تنويع مصادر الدخل والتنويع الاقتصادي، فإن هذه المهمة 

“التحدي الاستراتيجي الأكبر والأصعب هو تراجع إنتاج قطاع الهايدروكاربون وإيراداته، خلال عقدين”

الشاقة تتطلب شروطا كثيرة تحتاج لمناقشةٍ وأبحاث لتحديد أي سياسات، وأي صناعات، وأي قطاعات خدمية، يمكن لدولة قطر أن تنميها، بينما لا تملك موارد طبيعية، عدا الهايدروكربونية التي في طريقها الى النضوب في بضعة عقود، ولا تملك مياها، ولا الموارد البشرية الكافية، لكنها تملك فائضًا من الأموال حالياً.
بما أن قطر تملك أموالًا فائضة، فيمكنها التركيز على الصناعات كثيفة رأس المال، ولكن ما هي هذه الصناعات التي يمكن تطويرها في قطر وما هي شروط نجاحها؟ هل يمكن لقطر أن تبدأ بتطوير تكنولوجيا الطاقة الشمسية، حيث يمكن أن تنتجها مستقبلاً بشكل ذاتي، حتى مع تراجع النفط والغاز، حيث ستبقى الحاجة للطاقة مرتفعة. ماذا يعني بالملموس “اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي على الاستثمار” على نحو عام أم في كل قطاع، وهل مناخ الاستثمار الحالي جاذب، وما هي نقاط ضعفه، وما الذي يجب فعله، سواء كان ما يخص البنية التشريعية أو البنية المؤسسية أم البنية التحتية، وما هي القطاعات ذات الأولوية في تنمية الاستثمار من زاوية مصلحة قطر، وهنا ثمة موضوعات فرعية كثيرة، بما في ذلك الحديث عن تجارب ملموسة ومشخصة.
إلقاء الضوء على التجارب المحلية الناجحة، وهي عديدة، سواء في استثمارات القطاع الخاص أم القطاع الحكومي، يقدم أمثلة تحتذى يستفيد منها الآخرون، فالقدوة الحسنة خير معلم. وكذلك دراسة تجارب دول أخرى ناجحة، فالتجارب الناجحة خير معلّم.
إذا كان الاكتفاء الذاتي بكل شيء غير ممكن في عصرنا، وخصوصا لدولة صغيرة كقطر، فما هي المنتجات والقطاعات التي يجب التركيز عليها لتأمين انتاجها ذاتياً؟ لماذا يتهرّب القطاع الخاص القطري من تشغيل القطريين، وكيف يمكن ترجمة “محاربة الكسل والاتكالية”؟ وقبل هذا ما هي أشكال الكسل والتكاسل والاتكالية، وما هو واقعها، وما هي أسبابها، وكيف يمكن علاجها لدفع الناس “للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة”؟
لا أود الاستمرار في تعداد قضايا كثيرة، فهذه مجرّد أمثلة، لكن مناقشتها المفتوحة تخلق وعيًا وطنيًا من جهة، وتلفت نظر مدراء المؤسسات الحكومية والخاصة والوزراء وصناع القرار إلى مشكلات كثيرة، وتقدم أفكارا كثيرة، وتخلق شعورًا بالمشاركة في صنع القرار، ويلعب التلفزيون الدور الأكبر والأهم، بسبب اتساع شريحة مشاهديه، كما يمكن للصحف أن تلعب دورًا مهما، ومثلها الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية والجمعيات يمكن أن تقيم ندواتٍ حول هذه الموضوعات، وأن يتم تشجيع قيام الجمعيات العلمية القطرية، ودعمها للقيام ببحوث ودراسات حول واقع الاقتصاد والإدارة الحكومية والخاصة، وإجراء دراساتٍ حول تطوير بعض القطاعات أو بعض السياسات أو غيرها. وقد بادر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى تنظيم ندوة شهرية حول هذه الموضوعات.
“في هذه المرحلة لم يعد هذا مسألة رفاهية، بل أصبح أمرًأ ملزمًا ومحتمًا على قطر ولا مجال للتهاون فيه”، هذا ما قاله أمير قطر في كلمته، فهل سنرى وسائل الإعلام تبادر إلى لعب دورها المهم في هذا كله، كي لا تكون مجرد موجة حماسة عابرة، وكي تكون قطر بعد “حصار الأشقاء” غير قطر قبله.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: