في شرذمة الثورة كان مقتلها وما يزال

في شرذمة الثورة كان مقتلها وما يزال

مشاركةFacebookX

لم تنتصر الثورة السورية لأنها بقيت مشرذمة.. ولن تنتصر طالما أنها مشرذمة.. هكذا بكل بساطة…

روسيا اتخذتها حجة قوية في وجه الغرب “ستذهب سورية إلى الفوضى إن سقط النظام لأن المعارضة المشرذمة لا تشكل بديلًا قادرًا على مسك السلطة وإدارة الدولة” وهي حجة صحيحة دامغة.

روسيا عملت على استمرار شرذمة الثورة/ المعارضة، وقبلها عمل النظام وعملت إيران على ذات الغاية فهو الطريق الوحيد لبقائهم.

قوى الثورة كانت كافية لإسقاط النظام عشر مرات منذ صيف أو خريف 2012 على أبعد حد لو كانت موحدة، ولكنها وهي مشرذمة لم تكن قادرة ولن يسمحوا لها بالانتصار.. كانت سنة 2012 سنة حاسمة ولكنها ذهبت.

النظام وداعموه منظمون جدًا، قيادة هرمية تسلسلية ومركز قيادي واحد، مقابل عشرات الفصائل المعارضة الكبيرة والمتنافسة الى جانب مئات الفصائل الصغيرة، والكثير من قادتها طامعون بأن يصبحوا أمراء حرب.

المعارضة لم تكن يومًا بديلًا مقنعًا للمجتمع الدولي في عالم تتحكم به القوى الكبرى… فأصبح بقاء النظام ضرورة بالنسبة لها ولكنه لم يسمحوا له بالانتصار فكانت الحرب العشرية التي دمرت كل شيء وشردت الشعب.

حكام إسرائيل، مثل كل النخب الحاكمة، تسيرهم مصالح دولتهم واستقرارها، ونظام الأسد أفضل بالنسبة لهم من تلك المعارضة المفككة المشرذمة الذي تنذر بالفوضى.

بناء البيت يحتاج لأعمدة تحمل السقف، وبناء الدول يحتاج لقوة تمسك بالدولة ومؤسساتها والمجتمع.

في الانقلابات العسكرية يكون ثمة عسكر منظم ونجيدًا مسلحون يستولون على الإذاعة والتلفزيون ويذيعون البيان رقم (1) وبالتالي يستولون على الدولة، فيخضع الجميع عنوة. وهذا ما حدث في مختلف الانقلابات العسكرية، في مصر والعراق وسورية وليبيا واليمن.

الثورات التي انتصرت اعتمدت على حزب ثوري منظم.

الجزائر انتصرت لأن جبهة التحرير الجزائرية كانت قوة منظمة كبيرة مسلحة، وعندما خرجت فرنسا أصبحت مقدرات الدولة الجزائرية تحت تصرفها.

ثورة اكتوبر 1917 في روسيا اعتمدت على الحزب الشيوعي، لم يكونوا أكثر من 300 ألف شيوعي ولكنهم كانوا منظمين ومسلحين وكانوا القوة الأكبر فاستولوا على قوة الدولة ومقدراتها ووضعوها تحت تصرفهم، فاستطاعوا مواجهة غزو الدول الغربية بقوة الدولة الروسية التي اصبحت تحت تصرفهم.

الثورة الصينية انتصرت لأن ماو كان يقود ثوارًا مسلحين خبروا الحرب والقتال لعقود، وعندما قلب السلطة القائمة استولى على مقدرات الدولة الصينية فتضاعفت قوته، الثورة الكوبية لها ذات التاريخ، وثورة فيتنام لها ذات الحكاية.

المعارضة السورية لم يكن لها ذلك حين نهضت، ولم تستطع أن تشكل هذه القوة بعد قيامها المفاجئ، رغم أنها امتلكت من القوة والاندفاع وعدد المقاتلين والمؤيدين والحاضنة الشعبية أكثر بكثير مما كان للثورات السابقة المنتصرة التي ذكرتها، ولكن مقتلها كان في شرذمتها، وقد ادرك النظام ذلك فاراد ألا يمنحها فرصة لتنظيم صفوفها فاستخدم العنف المفرط والوحشي كي يمنعها من التقاط أنفاسها.

شرذمة المعارضة لها أسباب أخرى سابقة تتعلق بتحطيم المجتمع وبناه وتنظيماته خلال فترة البعث منذ 1963 وقبلها فترة الوحدة مع مصر 1958.

قامت الثورة كانتفاضة شعبية يدفعها غضب متراكم على مدى عقود، قامت كقومة شعبية “عامية”.

التغيير السياسي في بلد تسوده أحزاب يتم على نحو سلس، الحزب قوة منظمة سياسيًا واجتماعيًا، وهكذا كانت سورية قبل عبد الناصر، كان الحزب الوطني وكان حزب الشعب وكان ثمة أحزاب صغيرة كان أبرزها حزب البعث الذي برز دوره خلال الخمسينيات على مدى بضع سنوات فقط ثم انطفأ الى حين قيام انقلاب آذار 1963 يومها كان البعث تنظيمين مهلهلين يضم كل منهم بين 200 – 250 عضو، تم توحيدهما في تشرين 1963 ولكن السلطة كانت للعسكر وبقيت للعسكر وبقي الحزب واجهة وأداة.

منذ ضرب الأحزاب أيام الوحدة ثم بعد انقلاب البعث، تم تحطيم الأعمدة التي تمسك بالمجتمع، فتم تحطيم الأعمدة السياسية “الأحزاب”، وتم تحطيم الأعمدة الاقتصادية “تأميم الشركات والإصلاح الزراعي” وتم تحطيم المجتمع، “تحطيم المكانة الاجتماعية للعائلات التقليدية التي كان لكل منها نفوذ واسع او ضيق في محيطها. ولكن سلطة العسكر كانت تمسك بالسلطة وبمقدرات الدولة وأجهزتها، فاقامت اعمدة جديدة هي حزب البعث ومنحته أدوار في إدارة الدولة والشبيبة والطلائع ومنظمات الفلاحين والنساء والحرفيين والنقابات العمالية، وبنت اعمدة اقتصادية بتعزيز القطاع العام والسيطرة على فرص العمل وربط مصالح أعداد كبيرة بالدولة وبالخزينة العامة، ولكن كان لها العمود المركزي الذي يحمل سقف بيت السلطة “الساموك”هو الجيش وعززت الأمن كرديف، أما المكانة الاجتماعية فكانت لرجل الأمن وضابط الجيش وعضو حزب البعث وكل من هو قريب من العائلة الحاكمة.

كل هذه الأعمدة لا تمت للثورة بصلة كي تعتمد عليها، فكان على الثورة أن تقيم اعمدتها الخاصة بها، ولكنها لم تفلح، وبدلًا من عمود قوي يحملها، تشتتت قواها وبنت اعمدة صغيرة كل منها ضعيف لوحده.

العامل الآخر الأسلمة، والنظام وإيران وروسيا يعلمون ذلك فسارع لإطلاق سراح جهاديين يعلم هو جيدًا ماذا سيفعلون، وبرزت الفصائل الإسلامية التي تتبنى الجهاد والدعوة للدولة دينية، وتلقت دعمًا كبيرًا فنمت وسيطرت على المشهد مما لعب كعامل آخر إضافي ساهم في قلب مواقف المجتمع الدولي، ثم أدخالوا النصرة ثم أدخلوا داعش، فأصبح لا يريد انتصار الثورة، ولكنه بذات الوقت لا يريد انتصار النظام وله في ذلك غايات يطول شرحها.

كان ثمة انطباع وقد كان وهمًا بأنه ربيع إسلامي، بحكم أن القوى التي كانت مسيطرة في بلدان الربيع العربي هي قوى عسكرية كان تضطهد حركات الإسلامي السياسي، واضطهدت السياسة فبقي التدين هو الملاذ المتاح الوحيد الذي اضطرت السلطات العسكرية ألا تقترب منه أكثر، فبقي يشكل تربة خصبة لنشاط الإسلام السياسي في مختلف هذه البلدان خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين وبروز فشل الأنظمة القومية في تحقيق اي تنمية حقيقية وفشل في تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية فلم تحقق سوى الفشل الاقتصادي والفساد، لذا خلق لها الربيع العربي فرصة. ولكن فكرة ان تقوم سلطات لها إيديولوجية متقاربة يمكن أن تفتح باب التعاون بين هذه الدول هذه الفكرة تخيف إسرائيل وتخيف إيران وتخيف روسيا وتخيف امريكا وتخيف السعودية والإمارات والبحرين أيضًا التي ترى في حركات الإسلام السياسي قوى إنقلابية، والسلطات الحاكمة في هذه البلدان كما في غيرها تهمها كرسي الحكم والسلطة أكثر من اي شيء آخر دون استثناء وهذه قاعدة أي سلطة عبر التاريخ وحتى اليوم. وفكرة قلب الأنظمة تخيف كل حاكم يجلس على كرسي وخاصة فاقدي الشرعية ممن لم يأتوا الى الحكم بانتخابات شرعية او استولوا على السلطة بانقلاب عسكري.

هنا لا مجال لأصحاب نظريات المؤامرة بأن “الإسلام مستهدف بذاته” وأنها “مؤامرة على الإسلام بذاته”. فذات القوى خشيت من قيام أنظمة تتبنى فكر قومي واحد قد يفتح باب التعاون وربما الوحدة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته فعملت على تمزيق الوحدة السورية، والتي ارتكبت من الأخطاء الداخلية التي الحقت بها ضرر أكثر مما ألحق بها تآمر المتآمرون، وتدخلت تلك القوى الكبرى لتجعل فرعي حزب البعث في العراق وسورية متعاديين حتى العظم يحيكان المؤامرات ضد بعضهما البعض… أقصد أن تقارب أنظمة عربية تحكم بلدان متصلة جغرافيًا تطل على كامل جنوب وشرق المتوسط وتطل على ثلاثة مضائق دولية، أمر تسعى القوى الكبرى لمنعه بكل السبل سواء كان إسلامي أو قومي أو يميني أو يساري، ولكن المشكلة أن القوى العربية في هذه البلدان المصابة بالشرذمة تقدم خدمة جليلة لأعدائها، فترى الأنظمة العربية متعادية على طول الخط وتنشأ الصراعات بينها لأتفه الأسباب.

ولكن إن كان النظام يعمل على شرذمة الثورة لأن مقتله في وحدتها، فالمستغرب هو إصرار كافة أطراف المعارضة ونخبها على الشرذمة، أي هي نفذت للنظام ما أراده ويريده… شرذمة عسكرية وشرذمة سياسية وطلاق بين العسكري والسياسي فقد جعلوهما خطان متوازيان لا يلتقيان إلا بإرادة الله ولكن الله لم يشأ.

حتى اليوم لم نتعلم نحن السوريون من أخطائنا الكارثية السابقة، بدليل أننا مازلنا مشرذمين بعيدين عن العمل المؤسسي سوى بنطاقات صغيرة لا تشكل كتلة حرجة تفرض وجودها على الجميع وأي دعوة ممن اي ما صدرت ينظر لها الآخرون بالريبة ويبدؤوا بالبحث عن عيوبها ونقاط ضعفها بدلًا من البحث عن وجوانبها الحسنة وأهميتها ودورها وينتقلوا الى تحسينها وتخليصها من نقاط ضعفها.

لن ننتصر حتى نتحد بأعداد كبيرة، ونشكل جسمًا كبيرًا… ولا أعرف متى…

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: