شهادتي على جيل اليسار السوري
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

شهادتي على جيل اليسار السوري

مشاركةFacebookX

كتبت هذه الشهادة في آذار 2016 حين بلغت الخامسة والستين من العمر، وهي تصلح لتكون خاتمة لشهادتي عن تجربتي في الحزب الشيوعي.

فمن بدأ شبابه في ستينيات القرن العشرين، يكون قد بلغ الستينيات من عمره اليوم، وبين تلك الستينيات وستينياته ثمة برزخ.

رؤوس حامية

في الستينيات، كان الراديو والمنشورات السرية والجرائد الرسمية البائسة هي المصدر الرئيس لأخبارنا. كان العصر مليئًا بأخبار الثورات التي تغذي الروح الكفاحية من أخبار محلية عن فلسطين والكفاح المسلح وأخبار الانقلابات العسكرية منذ 1949 والوحدة السورية المصرية وصراعاتها وإخفاقاتها وأخبار المطاردات والاعتقالات، ومرحلة الانفصال، وانقلاب 8 آذار سنة 1963 صراعات ضباطه، وصدمة هزيمة حزيران 67 واستقالة عبد الناصر وعودته عنها ثم موته، وسيطرة حافظ أسد المطلقة على الحكم في سورية. ثم أخبار العالم من فيتنام وكوبا وثورة الطلاب في أوروبا 1968 وصراع الأجيال وإضرابات العمال، وأخبار الاتحاد السوفيتي وصراعه مع الصين، ونردد أسماء مناضلين وشخصيات، مثل هوشي منة والجنزال جياب وكاسترو وجيفارا والليندي وتيتو وسوكارنو وأنجيلا ديفيز، ونتذكر الشهداء فهد وفرج الله وباتريس لومومبا وعبد القادر أخوان وغيرهم. كان اهتمامنا يشمل العالم وكنا تواقين للخروج.

ازدحمت أجواء الستينيات والسبعينيات بأفكار الاشتراكية والقومية والتحرر والعداء للإمبريالية والصهيونية والحماس للعمل الفدائي وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وكنا نأمل بالحج يومًا إلى موسكو الحبيبة التي لولاها “لما بللت قبّرة منقارها في النيل”، على حد قول الشاعر توفيق زياد. واحتفال يساريين بحماس بذكرى “ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى”، بينما كان ليساريين آخرين رأي آخر بالاتحاد السوفيتي.

كانت رؤوسنا مليئة بالأيديولوجيا، وكان وعينا حارًا. لم نكن نقبل بأقل من تحرير العالم، فالأحلام الصغيرة لا تليق بالثوريين. كنا ننتظر أن يأخذ أحد بيدنا كي نشارك في أحداث عظيمة، ولكن لا نعرف أين ومتى، فالحياة الروتينية لا تليق بالثوريين. الضحك والتسلية تهدر الطاقة الثورية والحياة السهلة لا تليق بمناضلين عليهم التحلي بالغضب، وكنا نردد “ثلاثة أشياء تصنع الرجل: السجن والغربة والفقر”، وكنا نشعر بالتضاؤل أمام من دخلوا السجن.

كنا واثقين من أن “سمة العصر هي التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية”. ونستند إلى ثلاثة أعمدة لحركة النضال العالمي: الحركة الشيوعية العالمية والحركة النقابية العالمية وحركة التحرر الوطني، ونردد مقولتنا الشهيرة “العنف قابلة التاريخ، والمجتمع لا يمكن تغييره بدون العنف الثوري”. كنا معجبين بلباس الفدائي “المبرقع” مع صورة على صدره لجمجمة وعظمتين. كل ما هو يساري ومعارض كان يعجبنا، وكنا نرفض الأفكار البورجوازية الصغيرة والطفولية اليسارية، ولم نكن نعلم ما هي بالضبط، وكنا معجبين بأفكار الفوضوي باكونين، لأنه أقرب إلى روح التمرد، ولكننا نرفضه بعقولنا، لأنه بعيد عن “الاشتراكية العلمية”، ونقف مع الاتحاد السوفيتي ضد الصين والماوية، وبعضنا الآخر كان يقف بالعكس، ودون أن نعلم لماذا. كنا نصدق بسهولة وبدون محاكمة عقلية كل ما يعزز إيماننا، ونرفض بنفس بسهولة كل ما يعارضه.

كل شيء كان له طابع طبقي، حتى الجمال، فقد صدرت كتب عن “علم الجمال الماركسي”، حتى مسائل الحب والحبيبة أصبح لها معايير فكرية وسياسية وطبقية ساذجة، الانتماء السياسي تحول إلى دين جديد لملحدين، ولكن كنا نشبه رجال الدين، نعلن التقية ثم نقرأ سرًا أشعار نزار قباني، وتشدنا قصيدته الرسم بالكلمات، وتشدنا المشاهد الحارة في أفلام السينما.

كنا نتباهى بامتلاك الكتب كل بحسب مدرسته اليسارية، ونقرأ كتب ماركس وأنجلس ولينين ماوتسي تونغ وتروتسكي وبليخانوف وغيرهم، ونقرأ عن بناء الاشتراكية والاقتصاد السياسي الاشتراكي، ونقرأ الأدب السوفيتي والأدب الروسي القديم، ونقرأ مجلة السينما المصرية ومجلة الطليعة ومجلة الوقت وغيرها، وندرس بعناية كتابي المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية، وكنا ننظّر لديكتاتورية البروليتاريا، أما الديمقراطية فهي “كذبة بورجوازية”، ونعجب بجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وبالفلسفة الوجودية دون أن نهتم كثيرًا بالقراءة عنها، نقرأ شيئًا عن فرويد والتحليل النفسي دون تعمّق. كل شيء كان يثير اهتمامنا. ونقرأ أدبًا ثوريًا، ونعجب بقصة غوركي عن طائر النو الذي يطير لمواجهة العاصفة، بينما تختبئ بقية الطيور في أوكارها، ونقرأ روايات أتيماتوف وتشيخوف وحنا مينة وحسيب كيالي ونجيب محفوظ وهامنغوي ودستويفسكي وتولستوي وشولوخوف والطيب صالح وقصص غوغول القصيرة ومسرحيات برتولد بريخت، وندهش لدى قراءة “داغستان بلدي” لرسول حمزاتوف و”اشهد أنني قد عشت” لبابلو نيرودا، ويشدنا كتاب اللامنتمي لكولن ويلسون، و”المسخ” لكافكا، لأنها كتب “مميزة”. ونقرأ أشعارًا ثوريةً لشعراء فلسطين الشباب، محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو، وأشعار مايا كوفسكي وآراغون وبابلو نيرودا وبول إلوار والسياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. ونزين جدران غرفنا بصور غيفارا والمناضلة الأميركية أنجيلا ديفيز وصورة فيروز، ونضع أشعار ناظم حكمت على الجدار “أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد”.

كنا نلزم أنفسنا بالاستماع للموسيقى الكلاسيكية، بيتهوفن، تشايكوفسكي، موتسارت، شوبان، شوبرت، رحمانينوف وكورساكوف ورائعته شهرزاد، ورقصة السيوف في باليه غايانه لخاشادوريان، وقد كنت محظوظًا بمشاهدتها في حلب في سنتي الجامعية الأخيرة 1974، وأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز وأم كلثوم والشيخ إمام والشاب مارسيل خليفة وميري ماتيو و اديث بياف وجاك بريل، ونسمع أخبار فرقة البيتلز فنعجب بها من بعيد لأنها متمردة.

كنا نشاهد السينما باهتمام، فحفلة السينما ليست للمتعة، بل لتعطينا شحنة ثورية، ونحرص على مشاهدة أفلام لمخرجين عظام: بازوليني وفيليني وبيرجمان وغيرهم، ونسترق الذهاب أحيانًا لمشاهدة أفلام هيتشكوك المرعبة وأفلام جيمس بوند البوليسية، ونحرص على مشاهدة أفلام تمثل فيها كلوديا كاردينالي وصوفيا لورين وغريتا غاربو وأنجريد برجمان. وكم شاهدنا باستمتاع فيلم (زوربا) الذي مثل لنا الكمال، فالرواية لكازانتزاكيس والبطولة لانطوني كوين و ايرين باباس، وموسيقى الفيلم لتيودوراكيس، وكنا نسمع أنهم جميعًا شخصيات عظيمة.

كنا مولعين بفكرة التمرّد، فالتمرد كان قبيلتنا، وكنا نحب كل من ينتمي إليها. انقلاب البعث لم يقنعنا بثورته فناصبناه العداء، إطالة الشعر وأظافر اليدين أحيانًا وارتداء بنطال “الشارلستون” وتنانير الميني جيب أصبحت موضة، الإلحاد وشرب العرق متلازمان للتعبير عن الرفض، فيما كانت ممارسة طقوس العبادات الدينية مدعاة للسخرية، وكنا نأمل بتحويل دور العبادة إلى مراكز ثقافية.

لم نكن نرى مجتمعنا، كنا ننظر للبعيد نريد الوصول. كنا نود أن ننخلع من واقع نرفضه، لم نكن نؤمن بالتدرج والنضوج على نار هادئة، كنا متعجلين نريد المعالجة بالصدمة.

“انكسار الأحلام”

“انكسار الأحلام”، هو المصطلح الذي بدأ يتسرّب إلى مفرداتنا باكرًا، منذ ثمانينيات القرن العشرين. فقد طال الزمن بنا، ولم تأت الأحداث الكبرى ولم نشارك بأي حدث كبير. بل بدأنا نرى الزمن يسير في عكس الاتجاه الذي أملناه.

أدركنا عجز أنظمتنا عن الرد على هزيمة حزيران، وأدركنا أنها لم تكن هزيمة للبورجوازية الصغيرة، كما كنا ننظّر، بل هزيمة للأمة العربية قاطبة، هزيمة للفكر القروسطي مقابل فكر القرن العشرين، وهزيمة لنا بالتحديد. وحرب تشرين الأول 1973 كانت نصف هزيمة، ولولا وقف إطلاق النار لأصبحت هزيمة كاملة الأوصاف، و لاحتلت إسرائيل كلًا من دمشق والقاهرة.

مات عبد الناصر دون أن يزيل آثار العدوان مخلفًا وراءه قيادة خانت مبادئه. وجاء حافظ أسد بدلًا من خالد العظم، وأقام نظامًا قمعيًا يحكم سورية بدلًا من نظامها الديمقراطي القديم، وجاء صدام حسين بدلًا من مجيء سلام عادل في العراق، وثورة المليون شهيد تحولت إلى نظام قمعي يستثمره ضباط كبار، وثورة الفاتح الليبية تحولت إلى مهرجان هزلي لشخصية القذافي. وتدخل حافظ أسد في لبنان إلى جانب القوى اليمينة وقصف الفلسطينيين بعنف، والملك حسين قاتل ياسر عرفات الذي بدأ يهدد سلطته. وفشل انقلاب هاشم العطا في السودان، وأعدم عبد الخالق محجوب، واشترك في إعدامه كل من السادات والقذافي والنميري.

إن من جاؤوا للقضاء على الرأسمالية والإقطاع في بلداننا حلّوا محلهم، ولكن بنسخة رديئة، وقد انتهت مجتمعاتنا إلى انقسام طبقي أكثر حدة وأنظمة سياسية أكثر استبدادًا وفسادًا، فلا حرية ولا اشتراكية ولا عدالة ولا وحدة ولا تقدّم ولا حداثة، ولم تتحول دور العبادة إلى مراكز ثقافية، بل على العكس، فقد بني في سورية من المساجد خلال عهد الأسد أكثر مما بني فيها خلال 1300 سنة. بل جاء الإنذار مبكرًا منذ 1972 عندما تحول نادي المونتانا الليلي في حلب إلى مسجد.

لم تكن خيبتنا بالثورة العالمية أقل، ففي التشيلي، يأتي بينوشيت ويقتل الليندي، وسوهارتو في أندونيسيا يأتي محل سوكارنو، وجاء الخميني بدلًا من حزب تودة، وتتفكك يوغوسلافيا بعد وفاة تيتو. والطلاب العائدون من روسيا يهمسون في آذاننا حكايات لا تسرّ الخاطر عن النظام الاشتراكي، وينحو ماو تسي تونغ منحًى نفعيًا، ويمد يده ليصافح الـ “نمر من ورق” الإمبريالي مبتعدًا عن موسكو، ثم تملأ أخبار جرائم ستالين وكوارث ثورة ماو الثقافية مسامعنا، والتدخل السوفيتي الذي هللنا له لدعم انقلاب أفغانستان العسكري تحول إلى كابوس ما زال مستمرًا حتى اليوم. وسقوط المعسكر الاشتراكي فضح تجربة العقود السبعة التي حكمت فيها الاشتراكية، فقد ظهر أن المجتمعات السوفيتية قد تقوقعت على ذاتها متكلسةً خوفًا من السلطة القمعية التي عجزت عن تغييرها من داخلها، ثم ما لبثت أن عادت تلك المجتمعات إلى غابر ماضيها التقليدي بتزمت قومي وديني بمجرد زوال السلطة القمعية. لقد فشل النظام “الاشتراكي” في بناء “الإنسان الاشتراكي” الذي بشر به، ولم تكن الاشتراكية أكثر من رأسمالية دولة مستبدة.

انقسم اليسار السوري إلى مجموعتين عريضتين: المجموعة الأولى، وأسميها “اليسار الرسمي”، تشمل الشيوعيين الذين يتبعون موسكو، مع بضعة أحزاب اشتراكية صغيرة أخرى، وقد دخلت هذه الأحزاب إلى “مدجنة” النظام” أي ما سمي “الجبهة الوطنية التقدمية”، والمجموعة الثانية أسميها “اليسار المتمرد” الذي أعلن معاداته لنظام الأسد، وشمل الجزء الثاني من الشيوعيين أو ما عرف بجماعة رياض الترك، ورابطة العمل الشيوعي، والبعث الديمقراطي أو ما عرف بجماعة صلاح جديد، وحزب العمال الثوري أو جماعة ياسين الحافظ، وبعض التنظيمات الماوية الصغيرة، وقد دفع كثير من هؤلاء سنوات طويلة من الاعتقال والتشرد. وعلى ضفاف هؤلاء، كان ثمة أعداد كبيرة من الماركسيين واليساريين المستقلين. وكان من اللافت أن الوسط الأدبي والفني في سورية قد اتسم معظمه بتوجهات يسارية وقومية تراوحت بين الراديكالية والعمل مع النظام.

ولكن لا بد أن نعترف أنه إلى جانب كثير من اليساريين الذين أخلصوا ليساريتهم، وأمضى كثير منهم سنوات في السجن ولم يستسلموا، فإن كثيرًا من “اليساريين”، أو ما أسميهم “يساريون بالصدفة”، لم يقرأ طيلة حياته أكثر من بضع روايات مع بعض الكتيبات، وكثير ممن تغنوا بالمرأة الثورية تكشف عن ذكر فظ تقليدي في تعامله مع أخته وزوجته وبناته، بينما تكشف بعضهم عن انتهازي يبحث عن بعثة دراسية، وبعضهم ركض خلف دخله المادي، وبعضهم استلذ، وما زال، لعق أحذية الطغاة.

الطعم المرّ

بعد أربعة عقود، وبعد أن دارت الأيام دورات كثيرة وامتدت تجربتنا، نقف لنتأمل كل ما مضى. لقد آلمنا أن التاريخ سار على الضد مما كنا نأمل ونعمل، وبعد أن دخلنا في الستينيات من أعمارنا، فقدت الأشياء طعمها، واكتشفنا أن عقولنا كانت حارة، ولكن أرواحنا كانت باردة. وامتد بنا العمر، وتحولت حياتنا إلى جملة من التفاصيل المملة دون أن نشارك في أي عمل عظيم، فلم نستطع أن نشهد، كما شهد نيرودا في مذكراته، “أشهد أنني قد عشت”، فلا شيء يستحق الرواية. وأمضينا سنواتنا في انتظار شيء كبير غامض، بما يشبه “الترين” في مسرحية فيروز “المحطة” التي عبرت عن خيبات جيلنا، مثلما عبرت مسرحية “الشخص” الرحبانية عن فترة الستينيات وانقلاباتها العسكرية. وبات بعضنا يردد: “ألا ليت الاستعمار يعود يومًا، لنخبره بما فعلت “السلطات الوطنية”.

أتذكر ما كان يردده صديقي “البورجوازي الصغير” محمد ك. خطيب: في العشرينات نضع تحرير العالم هدفنا، وفي الثلاثينات نتواضع قليلًا فنجعل هدفنا هو تحرير أوطاننا، وفي الأربعينات نتراجع خطوة فنرى أننا بالكاد نستطيع تحرير مدينتا، وفي الخمسينات نكتفي بالعمل لتحرير عائلاتنا، وفي الستينات نقتنع بأننا بالكاد نستطيع تحرير أنفسنا. وفي السبعينات نكتشف بأن العمر قد مضى ولم نحرر شيئًا.

نعم، لنكتشف أن أجمل الأيام تلك التي عشناها، وليست “التي لم نعشها بعد”.

وميض أمل

ربيع دمشق 2000 أنعش أرواحنا بعد انقطاع الأمل، ونهضنا لاستقباله، فرحين به كشجر البرتقال الذي تملأ ازهاره الفضاء برائحة عطرة، ويمنحنا ثمرًا بطعم ولا أطيب، ولكن السلطة وأدته. ومنحنا الربيع العربي 2011 أملًا آخر، ولكن الجميع تكالبوا ليجعلوه شتاءً قارسًا وبردًا زمهريرًا.

ولا نعلم هل سيصمد من بلغ السبعينات من عمره ليرى أزهارَه ويشم رائحته العطرة ويتذوق ثماره الطيبة! فإن لم يتحقق حلمنا الأخير، فأملنا في أن يحقق الجيل القادم ما حلمنا وعملنا من أجله ومتنا دون أن نراه.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: