الوجه الأول لتجربتي في الحزب الشيوعي
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

الوجه الأول لتجربتي في الحزب الشيوعي

مشاركةFacebookX

تجربتي في الحزب الشيوعي … الوجه الأول

الشعور بالتضامن بين الشيوعيين والأخوّة التي منحني إياها الانتماء للحزب كانا مصدر قوة وثقة، فأنا لست وحدي في مواجهة المجتمع ومواجهة الحياة، فالانتماء أمدني – وأنا المراهق- بالثقة وبالشعور أنني أصبحت إنسانًا بقيمة اكبر، ففي بلدتي كنّا مجموعة كبيرة نسبيًا من الرفاق والرفيقات والأصدقاء اليوميين في آن معًا، وكبرنا على مقاعد الدراسة وفي مناخات البلدة، وبقينا أصدقاء ورفاق في آنٍ معًا، وكانت تربطنا علاقة بمجموعة من الرفاق الفلاحين الأذكياء الذين لهم تاريخ في الحزب والذين عرفوا مطاردات نظام الشيشكلي ومطاردات أيام الوحدة مع مصر، وكانت الحكايات والذكريات التي يرويها الفلاحون ونساؤهم تملأ روحي بزاد يُعزز انتمائي للحزب.

كانت منظمة الحزب الشيوعي في السقيلبية كبيرة، وينتمي جزء كبير من عائلاتها الى الحزب الشيوعي، وكان جزء آخر من العائلات ينتمون الى حركة الاشتراكيين العرب “أكرم الحوراني” وعدد محدود جدًا ينتمون للحزب القومي الاجتماعي، ولم يكن للبعث وجود في السقيلبية قبل آذار 1963، وبالطبع انتمى جزء من شباب البلدة وبناتها لحزب البعث بعد استلام السلطة، وهذا ديدن كل حزب يقفز الى السلطة، فيجتذب الكثيرين. وتحول الكثير من الاشتراكيين العرب ليصبحوا بعثيين، بينما حافظ الشيوعيون على تنظيمهم، ويعود ذلك ربما الى الانتماء الإيديولوجي للحزب الشيوعي، والشعور أن الشيوعي هو عضو في جيش عالمي يقوده الاتحاد السوفيتي “العظيم”، “الذي يستطيع أن يحول بوري الصوبيا لصاروخ” كما عبر أحد الشيوعيين أمامي وكنت في الصف الثامن.

مما كان يُعزّز انتمائي الحزبي أنني، أنّى ذهبتُ، من السقيلبية إلى حماة وحلب ودمشق وحمص والساحل والجزيرة، وأنّى اتجهت في سورية، كنت ألتقي بشيوعيين جدد، وعندي شعور بأني أعرفهم ويعرفوني منذ القدم، فهم يشبهوني في كل شيء تقريبًا، في كلماتهم ومنطقهم وقراءاتهم واهتماماتهم وعاداتهم وقيمهم، وقد عبر عن هذا أحد الفلاحين قائلًا “كلكون بتقروا بنفس الدفتر”. وفي الحزب، تعرّفت على أعضاء كثر، بعضهم بنزعة طهرانية على الصعيد الشخصي، صادقين مخلصين محبّين متضامنين، والبعض منهم مثقفون، وبعضهم غير ذلك. ويمكن أن أقول إنّ غالبية، إن لم يكن كلّ، من قابلتهم كرفاق، خلال عدة عقود، كانوا شخصيات مندفعة مقبِلة على العمل بروح إيجابية، وفيهم الكثير من نكران الذات، وبالطبع ثمة استثناءات، ولكن القليل منهم كان مميزًا على الصعيد الشخصي والثقافة والفكر المنفتح والكاريزما، وهذا ديدن البشر، فالمتميزون ليسو كُثُرْ، ولكن الشيوعيين يتميزون بالعموم بسمات عامة، تعلو نسبيًا عن وسطيّ السمات العامة للسوريين من أقرانهم. وقد أتاح لي الحزب الاختلاط العميق بسوريين من مختلف محافظات سورية الأخرى، وفي الوقت نفسه دفعني، وخاصة خلال دراستي الجامعية، للاحتكاك بسوريين آخرين ينتمون إلى أحزاب أخرى، وخاصة ناصريين وبعثيين وأحزاب كردية ومنظمات فلسطينية، ومع شيوعيين سودانيين ولبنانيين ويساريين من عمان وليبيا والجزائر، وبطبيعة الحال، دخلت في نقاشات وحوارات حول قضايا كثيرة. كلّ هذا أغنى تجارب حياتي ومنحني معارف وخبرات تراكمت مع الأيام.

قد يستغرب أبناء هذا الجيل مثل هذا الاندفاع، ولكن سمات تلك الأيام، في ستينيات القرن العشرين، تفسّر كل شيء؛ إذ لم يكن قد مضى على خروج فرنسا من سورية زمن طويل، وقد شحن خروجها السوريين بكثير من العاطفة الوطنية، وكانت الحياة السياسية والانتساب للأحزاب السياسية أمرًا شائعًا، وكان جرح فلسطين وقيام الكيان الصهيوني ما يزال مؤلمًا، وكانت خطابات الإذاعات الحماسية تدعو لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وإلقاء الكيان الصهيوني في البحر، وتشكّل العمل الفدائي، وبدأ الفدائيون يتبخترون بلباسهم المبرقع في شوارع المدن والبلدات السورية، وكانت أثار أجواء دحر العدوان الثلاثي بمقاومة المصريين، ولكن بضغوط من كل من روسيا والولايات المتحدة، والحماسة التي بثها في روح السوريين، مازالت باقية، ثم صعود عبد الناصر “البطل العربي الأسمر”. وكانت حرب فيتنام تؤجج الشعور الوطني ضدّ الإمبريالية والاستعمار، ولم يكن الخطاب العربي قد أصيب بهزيمة حزيران المذلّة بعد، وهي التي شكلت بداية تدهور الروح الوطنية لدى الشعوب العربية.

ولديّ هنا حكاية صغيرة ذات دلالة عن تأثير تلك الأجواء في شخصيتي. فقد كنت في سنة البكالوريا، في ثانوية أبي الفداء بحماة، إذ لم يكن في السقيلبية ثانوية بعد، وكنا كطلاب من السقيلبية ندرس في حماة، نذهب كل خميس إلى بلدتنا السقيلبية التي تبعد 50 كم عن حماة، ثم نعود صباح السبت. وذات خميس، في تشرين الأول سنة 1969، لم أذهب إلى السقيلبية كالمعتاد، وقررت البقاء وحدي في الدار التي فرغت من قاطنيها. وفي المساء، جلست مع نفسي، وبعد أخذ وردّ معها، اتخذت جملة من القرارات، منها أن أزيد اهتمامي بالقراءة السياسية، ووضعت برنامجًا لأقرأ كتابًا في كل شهر، مع أنني كنت في سنة البكالوريا، وكان لديّ كل يوم اجتماع حزبي، بحكم أنني كنت في قيادة منظمة ثانويات حماة، كما قررت أن أهجر الهزل والمزاح والضحك لأن هذه الأمور “تذهب بالطاقة الثورية”، وأن ألتزم الجدّ أكثر، وقررت أن أقلع عن التدخين، وأيضًا اتخذت قرارًا بائسًا، وهو أن لا أقيم علاقة مع أي فتاة كانت، فلا وقت لديّ للحبّ، فهذا وقت تحرير فلسطين وفيتنام، وانتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ولديّ حلمي الكبير بالذهاب للدراسة في موسكو. وبعدها توقفت عن التدخين، ولكني بعد بضعة أيام، بدّلت في صيغة قراري، إذ كنت في سهرة مع الأصدقاء على كأس عرق، وكانوا جميعًا مدخّنين، فوجدت نفسي أدخّن معهم، ولكني انتقدت نفسي في اليوم التالي، وتكرر هذا الأمر في الأسبوع الثاني، فاتخذت قرارًا نهائيًا في المرة الثالثة ألا أدخّن إلا حين أشرب الخمر. وفعلًا هذا ما حصل، ومنذ ذاك التاريخ حتى اليوم، لا أدخّن إلا مع الخمر، ولا أشرب الخمر إلا مع سجائر. طبعًا انا أتذكر اليوم مثل تلك القرارات بشيء من السخرية.

كان الشعور بأنني جندي في جيش عظيم يقوده “الاتحاد السوفيتي العظيم” يُعزز الثقة بالنفس. وقد منحني انتسابي إلى الحزب شعورَ من ينتسب إلى جماعة عظيمة تلفّ الكرة الأرضية، فأنا فرد في القبيلة الكبيرة التي تقبض على التاريخ، متسلحة بنظرية علمية صحيحة، بالماركسية اللينينية، هكذا كنا نردد، فردٌ في جماعة عظيمة تعمل من أجل غد أفضل، من أجل الانتقال من الرأسمالية الظالمة إلى الاشتراكية العادلة، من أجل تحرير البشرية…. نعم، هكذا كانت المشاعر حارة والشعارات كبيرةً كبيرةً، وكانت تلك الشعارات الكبيرة تُخرجني من تفاصيل حياتي اليومية المليئة بقضايا صغيرة عادية جدًا، لتطير بي محلّقة في فضاء غامض واسع لا أعرف له حدودًا، ولكنني أثق به. فالانتماء إلى قضية كبيرة، حتى لو كانت خيالية، يمنح الفرد قيمة أكبر بمرآة ذاته.

لقد عزّز انتمائي إلى الحزب لديّ الجديّة والإقبال على حمل الهموم العامة، وتقديمها على الهموم الشخصية؛ فالاهتمام بالمجتمع والحياة العامة والأحداث العالمية يُضعِف الأنانية الشخصية والإيثار الذاتي، ويرتقي باهتمامات الفرد إلى مستويات أعلى، فيصبح أقدر على تحمّل همومه الشخصية التي تصغر أمام القضايا الكبرى. ولكني اكتشفت فيما بعد كم كنت مبالغًا، وكم فوتت بسبب ذلك من فرص.

تعرف أكثر على الوجه الآخر للتجربة، صورة الحزب المثالية تتصدع

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: