حول منع النظام عقد مؤتمر “جود” في دمشق

حول منع النظام عقد مؤتمر “جود” في دمشق

مشاركةFacebookX

لم يفاجئني منع النظام لعقد مؤتمر جود “الجبهة الوطنية الديمقراطية”، وهي مؤلفة من أحزاب وقوى سورية قومية ويسارية ووطنية؛ ذلك بأن (جود) وأمثالها أخطر على النظام من (داعش)، ليس لأنها تهدد الآن وجوده في الداخل، بل لأن النظام ومعه الروس والإيرانيين يريدون أن يظهروا للعالم أن المعارضة السورية لها وجه واحد فقط، وجه جهاديّ مثل داعش والنصرة وما يشبهها، بينما تقدّم (جود) ومن يشبهها للعالم صورة بأن بديل النظام ليس داعش أو النصرة، بل قوى ديمقراطية حقيقية، ومن بينها قوى إسلامية معتدلة تتبنى الديمقراطية والحريات العامة وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع. ويرى النظام وحلفاؤه أن الإفساح أمام نمو نشاط معارض منظم في داخل مناطق سيطرة النظام، ورغم أنه يحسن صورة النظام أمام القوى الفاعلة، ولكنه سيشكل خطرًا داهمًا بالنسبة لوجوده، لأنه يفسح الطريق أمام تكوين معارضة منظمة داخل سورية تشكل بديلا ديمقراطيًh للنظام.

سأذكر هنا أمثلة عن سياسة النظام تجاه المعارضة الديمقراطية:

  1. تأسيس هيئة التنسيق: اتخذ النظام موقفًا معاديًا من مؤتمر هيئة التنسيق الذي عُقد في 25 حزيران/ يونيو 2011، وأعلن عنه في مؤتمر صحفي في 30 حزيران. وقد شارك في المؤتمر أحزاب قومية ويسارية عربية وكردية، وشخصيات مستقلة. وعُقد المؤتمر في حلبون، في بيت حسن عبد العظيم. وعلى الرغم من أن أجهزة الأمن لم تعتقل من حضر المؤتمر، كما تفعل عادة، فقد كانت متوجسة من المؤتمر، ولم تمد يدها له بتاتًا، بل روّجت الشائعات ضده، بالرغم من أن الجميع يعلم أن قوى هيئة التنسيق وشخصياتها الأبرز لا تمتّ إلى قوى الإسلام السياسي بصلة البتة، وأنها منفتحة للحوار مع النظام لبحث مستقبل سورية.
  2. مؤتمر سميراميس لقوى المعارضة السورية: أذكر في شهر حزيران/ يونيو 2011، اتصل بي لؤي حسين، وقال ننوي أن ننظم مؤتمرًا علنيًا للمعارضة في دمشق، في فندق سميراميس، وكان معنا ثلاثة آخرين في المجموعة التي عملت على تنظيم المؤتمر الذي عقد في 27 حزيران/ يونيو 2011، وكان لؤي حسين على اتصال بالدكتورة بثينة شعبان، التي كانت تبلّغه بالموافقة على عقد المؤتمر أو بعدمها، وكانت تتشاور في ذلك مع فاروق الشرع ومع بشار الأسد، وكانت نيّات النظام تتأرجح بين الموافقة وعدمها، وبالطبع، لا يقبل صاحب فندق سميراميس عقد المؤتمر من دون موافقة السلطات الأمنية، وكان الأمن السياسي هو المسؤول، وكان في كلّ فندق (خمس نجوم) ضابطٌ من الأمن السياسي، بدوام كامل، وله مكتب. وحتى عشية يوم عقد المؤتمر، كانت الموافقة متأرجحة، بما يعكس أن هناك حوارًا يدور في أروقة القصر، بين من يرى فوائد للسلطة في عقد مثل هذا المؤتمر، وبين من يرى ضررًا في ذلك. وجاءت الموافقة فِي آخر لحظة، عند العاشرة من مساء يوم 26 حزيران/ يونيو، وعُقد المؤتمر، وكان عدد الحضور نحو 200 شخص، من مختلف أنحاء سورية، وكان المشاركون قوى ديمقراطية ويسارية عمومًا، ولم يكن لقوى الإسلام السياسي أي دور فيه، وقد تولى رئاسة المؤتمر الدكتور منذر خدام، وهو يساري وسجين سياسي لسنوات طويلة، ولا يمكن لأحد أن يعدّه متطرفًا. ولكن أجواء المؤتمر كانت راديكالية، وصدر بيانه بلهجة قوية، فأفزع ذلك من يؤمنون بأن السلطة ملك بيت الأسد للأبد. 
  3. مؤتمر المبادرة الوطنية من أجل مستقبل سوريا: التي أطلقها محمد سلمان، وزير إعلام حافظ أسد، وكان توجهها أقلّ راديكالية من مؤتمر سميراميس، وقد عقدت مؤتمرها في 4 تموز/ يوليو 2011، ويبدو أن أوساط القصر كانت منقسمة حولها، فبعد أن أعطوهم الموافقة لعقد مؤتمرهم في فندق سميراميس، قاموا بعرقلة عقد المؤتمر. وحضر المؤتمر نحو 200 شخصية مستقلة، كان جزءٌ كبيرٌ منهم من أوساط السلطة أو قريب منها، وحظيت المبادرة بدعم عدد من كبار ضباط الجيش المتقاعدين. ولكن حين حضور المشاركين إلى فندق سميراميس، رفضت إدارة الفندق فتح قاعة الاجتماع، بحجة “عدم تثبيت الحجز”، بالرغم من أن منسق المؤتمر النائب في البرلمان محمد حبش أكد حصوله على موافقة موقعة من مكتب فاروق الشرع، فاضطر الحاضرون إلى اقتحام القاعة بعد مغادرة كثير منهم، ولكن إدارة الفندق لم تقدّم لهم أي خدمات، وقامت بقطع الكهرباء عن القاعة. ولم يصدر بيان عن المؤتمر.
  4. لقاء الحوار الوطني: أطلق النظام مبادرته لعقد لقاء للحوار الوطني، ودعا إليه مئات الشخصيات، ومنها شخصيات معارضة، وكنتُ ممّن تلقى دعوة للمشاركة، ولكني رفضت المشاركة، كما رفض الحضور معظم شخصيات المعارضة تقريبًا، لأن المعارضين طلبوا وقف القتل ووقف الحل الأمني أولًا، كي يشاركوا، ولكن النظام لم يوقف حله الأمني، ولم يكن راغبًا في حضور هذه الشخصيات. وعقد اللقاء في 10 تموز/ يوليو 2011، في مجمع صحارى، وعلى الرغم من أن المؤتمر وضع توصيات ناعمة جدًا للإصلاح التدريجي، بقيادة بشار الأسد، وأن فاروق الشرع خرج من القاعة، قُبيل إقرار اللقاء لتوصياته، واتصل ببشار الأسد واستشاره في موضوع التوصيات، وقد وافق بشار حينذاك على صدورها؛ ولكن حلّ غضبه على فاروق الشرع، لأنه سمح بخروج توصيات لا تمجّد ببشار الأسد، ومنذ ذلك الوقت، وُضع فاروق الشرع على الرفّ وتحت المراقبة، خاصة أن البعض بدأ يطرح فاروق الشرع كبديل للأسد. وبالطبع تم الصمت على توصيات لقاءٍ نظّمه النظام بموافقة الرئيس.

منطق الحل الأمني للنظام:

تلك كانت أمثلة أربعة عن تعامل النظام مع أي دعوة للإصلاح والتغيير التدريجي الذي يحفظ سورية، بينما اختار الحل الأمني، وقد رفض النظام هذه المؤتمرات، لأنها كانت ستخِّرب خطته، لأن وجهها ديمقراطي وليس إسلاميًا، بينما سعى النظام لإظهار أن المعارضة إسلامية جهادية ومسلحة. والسبب في موقفه هذا أنه اتخذ قراره بعدم الاستجابة لمطالب الشعب السوري، وعدم إجراء أيّ تغيير، وكان حلّه الأمني هو منهجه الوحيد. 

يقدّم فهم النخبة الحاكمة للسلطة تفسيرًا للجوء النظام إلى الحل الأمني. فأمام تحدي الربيع العربي واستحقاق التغيير في 2011، وقف النظام أمام مفرق طرق:

الطريق الأول: طريق الإصلاح، وهو طريق آمن ويحافظ على سورية، ويفتح باب الازدهار أمامها، واختيار النظام لهذا الطريق يتطلب أن تكون قيم الوطنية -ولو بحدها الأدنى- موجودة في ضمير النخبة الضيقة الحاكمة في هذا النظام، وأن تكون قناعتهم أن التغيير استحقاق تاريخي مؤلم، ولكن لا بد منه، وأنه من غير الممكن المحافظة على طبيعة النظام ذاتها، ولا بد من الانفتاح والمشاركة. وكان في السلطة قوى وشخصيات كثيرة مع هذا التوجه، لأنها تدرك المخاطر ولكن التوجه الاستئصالي المميت كان هو الغالب.

الطريق الثاني: يقوم على قناعة أن سورية هي ملك لبيت الأسد ومن يلوذ بهم، وأن من يعارض ذلك مصيره الموت.

النخبة الضيقة الحاكمة في سلطة الأسد اختارت الطريق الثاني وترجمته بالحلّ الأمني المدمّر، لأنها تعلم أن الطريق الأول سيفتح لنمو قوى ديمقراطية وحراك سياسي ومجتمع مدني، وهذه مقدمات لوضع حد لسلطة بيت الأسد، بعد أربعة عقود من حكمهم، أي أن الأسد لن يفوز في انتخابات 2014، تاريخ استحقاق الانتخابات الرئاسية، وأن السنوات بين 2011 و 2013 ستكون سنوات للإصلاح ولتحول تدريجي سلمي سلس للسلطة، من سلطة متوارثة إلى سلطة تداولية عبر صناديق الاقتراع، وقد لعبت إيران دورًا حاسمًا في هذا الاختيار، لأن فكرة الانتقال السياسي في سورية وذهاب السلطة من يد الأسد، ولو بعد سنوات، أرعبتها، لكونها تعني أن إيران ستفقد جزءًا من ذارعها “الشيعي” الممتد من إيران عبر العراق وسورية وصولًا إلى لبنان. خاصة أن إيران رأت أن توريط نظام الأسد في حرب داخلية مع شعبه سيجعله بحاجة ماسة لها، وسيمكنها ذلك من أن تضع يدها على سورية بالكامل، وكانت إيران تعتقد أن الأسد سيتمكن -بدعم منها- من وأد الانتفاضة السورية خلال بضعة شهور أو في غضون عام.

“لو” أن النخبة الضيقة الممسكة بسلطة الأسد امتلكت شيئًا من الوطنية والعقلانية، لكانت اختارت منذ مطلع 2011 تشجيع المعارضة الديمقراطية والتحالف معها لمواجهة الإسلام السياسي، إن كانت تخشى الإسلام السياسي فعلًا، ولكانت سورية اليوم تسير على طريق تونس بدلًا من الدمار المادي والمجتمعي الذي جرى ويجري لسورية وشعبها حتى اليوم، ولا أحد يعلم الى متى وإلى أين، وكان السوريون سيغفرون لبيت الأسد ولبقية أركان سلطتهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر. ولكن تلك النخبة الضيقة الممسكة بالسلطة اختارت سياسة: “كلّ شيء أو لا شيء” بدفع من إيران وتشجيع من موسكو وتطمين من إسرائيل أنها لا تريد إسقاط النظام.

لكن من زرع اللو حصد الريح.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: