تنمية الصين والعقل الساذج

تنمية الصين والعقل الساذج

مشاركةFacebookX

انتشر قبل فترة خبر عن سبب تنمية الصين، وأن الأصل فيها يعود لمجرد خبير (البعض يذكر انه الخبير العراقي الياس كوركيس) استدعاه دينغ تشاو بنغ من جامعة أوكسفورد، ويوردون في احاديثم وأخبارهم تفاصيل عن الاستدعاء والخبير الذي جاء وقدم وصفه لرئيس الوزراء الصيني دينغ تشاو بنغ، فأخذ بها، فتحولت الصين من واحدة من أفقر بلدان العالم الى دولة تنافس على المركز العالمي الأول اقتصاديًا الآن ولاحقًا سياسيًا. كما يخرج علينا مذيع مصري ويشرح لنا هذه الحكاية ويعمل لها اسقاطات على مصر وثمة فيديوات اخرى…

المشكلة أن هذا الخبر ينتشر ويتداوله سياسيون مصدقين أن مسألة التنمية، وتنمية الصين بالذات، هي بهذه البساطة… فإن كان الأمر كذلك فالتكلفة بسيطة، وهي مجرد استئجار خبير (يجب أن يكون من جامعة غربية من أصول مصرية مثًلا) يقدم وصفة نشربها فننمو نموًا مذهلًا… وبالمناسبة الحكومة السورية استدعت خبير بريطاني سنة 1948 وقدم دراسة عن الاقتصاد السوري وتنميته، وأيام الشيشكلي استدعى خبير آخر وقدم دراسة، والبنك الدولي ارسل بعثة سنة 1955 قدمت دراسة واسعة، وجميعها موجودة حتى اليوم …

يؤسفني هذا العقل الساذج الذي يميل لتصديقه وترويجه حتى متعلمون ودارسون.

انا أتابع الصين منذ السبعينيات أيام الخلاف السوفيتي – الصيني وأبعاده و تابعت الثورة الثقافية الصينية الكارثية، وبعد انقطاع عدة سنوات، عدت أوخر التسعينيات لمتابعة الصين وسياساتها لبعض الوقت، وفي 2010 كتبت كتاب عن تجربة الصين، وسنة 2016 قمت بزيارة للصين لمدة أسبوعين بدعوة من الحزب الشيوعي الصيني، وفي 2016 كتبت دراسة مقارنة بين تنمية الصين الناجحة والتنمية العربية الفاشلة…

ببساطة إن مسألة التنمية مسألة معقدة وهي أعقد بمليون مرة من هذه السذاجة (خبير يقدم وصفة للتنمية)…. وباختصار يمكن أن أقول أن تنمية الصين بدأت مع الثورة الشيوعية 1949 وفترة ماوتسي تونغ الذي أسس للصناعة الصينية، وخلص الصين من موروثها التقليدي الذي كان يكبل تنميتها، وبالمحصلة نقل ماوتسي تونع الصين من الجوع إلى الفقر وذلك بتكلفة هائلة، وخاصة فترة الثورة الثقافية. وقد كانت الخطوة الأولى أيام ماو تسي تونغ، وتأسيس مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة التي كان يسميها “نمر من ورق” في حركة سياسية تعارض كل ما كان يعلنه ماو تسي تونغ من مبادئ، وذلك بحثًا عن مصادر نمو. وبعد وفاة ماو تسي تونغ في أيلول سنة 1976 بدأ الصراع في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، بين زوجة ماو ومعها ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي في طرف، وكانوا يريدون الاستمرار بسياسة ماوتسي تونغ، وبين بقية أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني من طرف آخر، وكانوا يتوجهون نحو الانفتاح، خاصة بعد النتائج الكارثية للثورة الثقافية التي قام بها ماو، وكان المكتب السياسي هو مكان القيادة الفعلي للصين. واستمر الصراع سنتين بين المجموعتين، استطاعت بعدها اغلبية المكتب السياسي التغلب على ما سموه “عصابة الأربعة”.

كان ثمة اتجاه واسع في قيادات الحزب والدولة يقف دينغتشاوبنغ على رأسه يتجه نحو تبديل في سياسات ماوتسي تونغ التي وصلت الى طريق مسدود، ووضعت الصين استراتيجية بدأها الحزب الشيوعي بقرار انفتاح اقتصادي تدريجي بطيء ومدروس لتحفيز المبادرة الفردية مع الاستمرار في ذات النظام السياسي الشمولي الذي يحكم قبضة مؤسسات الأمن على كافة مفاصل الحياة الفردية والجمعية، وبدأت مراحل الانفتاح تتوسع عبر العقود الأربعة الماضية منذ 1978، وفي كل مرحلة كانت القيادات ومكاتبها الكثيرة على مختلف المستويات تدرس قرارات انفتاح جزئية محددة، وتراقب تنفيذها على الأرض، وقد شارك في الدراسات وتصميم الانفتاح واتخاذ قراراته وترجمة إجراءاته على الأرض في كل حقل وميدان شارك به ملايين الصينيين، وكان قرارهم بأن يبدؤوا تطبيق سياساتهم الجديدة في بعض المناطق الشرقية الساحلية (شنغهاي) فقط، وليس في عموم الصين، وكانوا يتوسعون في مناطق سياساتهم الجديدة الناجحة مستفيدين من دروسها، الى حد أن أصبح في البر الصيني اقتصادين مختلفين، اقتصاد صيني الماوي، واقتصاد صيني متوجه نحو اقتصصاد السوق الرأسمالي، مع توسع تدرييجي للثاني على حساب الأول، بل ودخلت هونغ كونغ بعد عودتها الى الصين كنمط آخر له استقلال ذاتي، واقتصاد سوق رأسمالي نامي مع نظام سياسي محلي ليبرالي ضمن دولة الصين، وقد عالجت القيادة الصينية هذه الفروقات بنجاح، مع ميلها الدائم لقضم استقلالية هونغ كونغ، وتقليص الحريات السياسية وإخضاعها أكثر لبكين وتقليص استقلالها، ولكن بدون تعسف، لأن هونغ كونغ بقيت قاعدة اقتصادية هامة في نمو الصين وتجربتها، وبقيت الدولة ومؤسساتها المركزية تلعب الدور الفاعل في توجيه السياسات ورقابة التنفيذ، وخلطت الصين استثمارات الدولة مع استثمارات القطاع الخاص الصيني، واحتفظت بيدها أدوات تأثير على القطاع الخاص الذي بدأ ينمو وتتراكم الثروات، وتحولت الصين تدرجًا إلى نظام اقتصاد سوق رأسمالي، بناه الحزب الشيوعي الصيني، وبرز في الصين مليارديرات كثر، وأصبحت اعدادهم تأتي في الموقع الثاني عالميًا بعد الولايات المتحدة، ونمت طبقة وسطى في الصين تزيد عن نصف مليار دخولهم متوسطة، وأصحبت الصين اليوم الاقتصاد الثاني عالميًا، والمدافع الشرس عن العولمة، بينما يتحول ترامب إلى سياسة حمائية، أي تبادل مواقع، وهذا من سخريات التاريخ.

إن من ينسب كل هذا المسار الهائل المركب جدًا والمعقد جدًا، بفاعليه الذين يبلفون الملايين ومئات الملايين، إلى مجرد خبير يأتي من جامعة أكسفورد، كمن ينسب الشفاء من السرطان إلى حبة أسبرين.

إنه العقل الساذج

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: