تجربتي في الحزب الشيوعي السوري – موقف الحزب من السلطة
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

تجربتي في الحزب الشيوعي السوري – موقف الحزب من السلطة

مشاركةFacebookX

شكل موقف الحزب الشيوعي السوري من السلطة معضلة غير قابلة للحل بالنسبة لي، ففي ألف باء السياسة، أنّ الوصول إلى السلطة هو غاية أي حزب سياسي، فإن تخلّى الحزب عن هذا الهدف، فقَدَ مبررَ وجوده. والحزب الشيوعي السوري، منذ تقاربه مع حزب البعث بخاصة بعد 23 شباط 1966، قد تخلى عن هذا الطموح وهذا الشعار، ولا أذكر خلال سنوات وجودي في التنظيم أن هذه القضية قد نوقشت ولو مرة واحدة، فقد وصل البعثيون إلى السلطة سنة 1963، وأصبح جُلّ ما يحلم به قادة الحزب الشيوعي هو أن يرضى عنهم قادة البعث، ويقبلوا التعاون معهم، وقد بدأت ثمار هذا التعاون بتعيين وزير المواصلات “المحامي سميح عطية”، كممثل عن الشيوعيين، إذ تشكلت وزارة جديدة في الأول من آذار 1966 برئاسة يوسف زعين عقب الانقلاب العسكري الداخلي في 23 شباط 1966 الذي قام به صلاح جديد وأزاح كليًا القادة التاريخيين للحزب ومؤسسيه مثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشبلي العيسمي ومنيف الرزاز وغيرهم، ولكن دون أن يُعلن رسميًا أن سميح عطية هو ممثل للحزب الشيوعي، لأن سلطة البعث لم تكن تعترف بالحزب الشيوعي الذي لم يكن مرخصًا، وبقي بدون ترخيص.

المعضلة النظرية بالنسبة للحزب الشيوعي أن الأحزاب الى السلطة:

  1. إما بانتخابات ديمقراطية يفوز بها الحزب منفردا أو ضمن تحالف، أو تدخل كتلته البرلمان لتخلق تأثير على توجهات البلاد من خلال البرلمان وحتى المشاركة بالحكومة، (الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا وغيرها)
  2. أو القيام بثورة مسلحة في بلاد تحكمها أنظمة مستبدة، مثل الثورة الروسية والثورة الصينية والثورة الفيتنامية والثورة الكوبية وغيرها.
  3. أو بانقلاب عسكري، وهو أسوأ اشكال الوصول الى السلطة، كما حدث في أفغانستان الكارثي 1978 الذي انتهى بتدخل سوفيتي 1979 كان وبالًا على الاتحاد السوفيتي، وانقلاب السودان الفاشل 1971 الذي انتهى بمذبحة ضد قيادات الحزب وانقلاب أثيوبيا 197

أما الحزب الشيوعي السوري فلم يكن بوارد لا هذا ولا ذاك، ولم يكن كل هذا النقاش مطروح او حتى مسموح به في الحزب.

لتوضيح العلاقة مع حزب البعث، من المفيد هنا التوضيح بأن الحزب الشيوعي السوري، كمعظم الأحزاب الشيوعية في العالم الثالث، قد كان في تبعية فكرية وسياسية كاملة لموسكو، فلم يكن للحزب أي اجتهاد خاص على الإطلاق. وقد وجّه السوفييت بتعاون الحزب مع السلطة البعثية، وذلك ضمن توجه عالمي للسوفييت، بالتعاون مع أنظمة بلدان سيطرت عليها انقلابات عسكرية يقودها ضباط من أصول فقيرة، يحملون توجهًا معاديًا للغرب الاستعماري، ويحملون تصورات غامضة نسبيًا عن العدالة الاجتماعية، ويعادون كبار ملاك الأرض وأصحاب الأعمال والشركات والبنوك والأغنياء عمومًا في بلدانهم، وقد مدت هذه الأنظمة يدها للتعاون مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، فأطلق عليهم السوفييت “قوى الديمقراطية الثورية”، وهي تسمية تدعو للسخرية، فهم ليسوا بديمقراطيين وليسوا بثوريين، بل هم مجرد عسكر طامعين بالسلطة، كما اخترع السوفييت لهذه الغاية أيضًا مفهوم “التطور اللارأسمالي”، وهو تنظير بائس يقوم على التعريف بالسلب، كأن تقول: “الفأر ليس فيلًا”! واستقرت علاقة الحزب مع السلطة السورية بمنح الحزب وزيرين أحدهما يتولى وزارة المواصلات والآخر وزير دولة، وهو جائزة ترضية، إضافة لأربع أعضاء في مجلس الشعب، فلم يكن لهم أي تأثير، ولم يكن لمجلس الشعب أي سلطة.

هذا الموقف السياسي حوّل الحزب الى ما عرف بالنضال المطلبي، وتركيز اهتماماته على القضايا المطلبية والمعيشية مثل الأجور وشروط العمل والقضايا الخدمية، وكان يصل لمناقشة السياسة الاقتصادية للسلطة، ولكن ليس أبعد من ذلك. رغم أن النظرية السياسية الشيوعية، الماركسية اللينينية وأدبياتها، تدين اقتصار نضال الحزب على النضال المطلبي دون الغاية السياسية، وحتى نشاطه المطلبي فقد اقتصر على الكلام في اطر الحزب في الاجتماعات المغلقة في البيوت، واقتصر نشاطه على كتابة مقالات في جريدة نضال الشعب التي لم يكن من المسموح بيعها في الأسواق، ودون الاقتراب من الممارسات الاقتصادية للسلطة وأفراد قياداتها ودون الاقتراب من قضايا فشل إدارة السياسة الداخلية والخارجية بمختلف جوانبها، ودون الاقتراب من تسمية كبار الفاسدين وغيرها الكثير.

وبالمناسبة لم يكن الحزب مرخص رسميًا، لأن البعث وحافظ أسد رفض إصدار قانون أحزاب، أي حتى حزب البعث لم يكن حزبًا مرخصًا، ولم يسمح للحزب بافتتاح مكتب علني، ولم يكن يسمح له بإقامة أي نشاط في أي مكان عام، إلا نادرًا، وبموافقة أمنية مسبقة.

لم يكن الحزب يقيم أي نشاطات في الشوارع وفي الساحات أو يقود إضرابات واحتجاجات، وفي الواقع فقد كان هذا ممنوع بقوة المخابرات، فمن كان يتجاوز الخطوط الحمر للسلطة كان عقابه شديدًا. ولم يعرف أن الحزب الشيوعي قد اتخذ منذ شباط 1966، أي موقف يخالف سياسة السلطة الحاكمة في القضايا السياسية، وفقط حين التدخل في لبنان، ووقوف السوفييت ضد التدخل السوري في لبنان، والذي جاء ليدعم ما كان يعرف بقوى اليمين، وعلى رأسها الكتائب، في مواجهة ما كان يسمى القوى الوطنية المؤلفة من الأحزاب الشيوعي والناصري وجنبلاط ومنظمة التحرير الفلسطينية وآخرين، حينها أعرب الحزب موقفًا معارضًا للتدخل السوري في لبنان، فأوقع حافظ أسد عل الحزب الشيوعي “الحرم”، وقاطعوه ومنعوا سفر قياداته للخارج لبعض الوقت، وقاموا بعدة اعتقالات للضغط على الحزب واعتقل من السقيلبية في تلك الفترة حنا أبو كرشة و تمين فرحة، وبعض الآخرين من مناطق أخرى. ولكن هذا التوتر ما لبث أن زال بعد أن بدل حافظ أسد موقفه وانتقل لدعم ما كان يسمى القوى الوطنية.

من النشاطات القليلة في الشارع التي اذكرها هو إقامة منظمة السقيلبية للحزب احتفال في منطقة الشيخ جوبان قرب قلعة المضيق، بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب، وقد اختير المكان تخليدًا لذكرة المعركة التي دارت بين الشيوعين الفارين، وبين دورية الشرطة التي جاءت من مخفر السقيلبية لاعتقالهم، وقد قدمنا مشهدًا مسرحيًا القيت انا فيه قصيدة الشاعر الشيوعي المصري نجيب سرور بمناسبة اغتيال فرج الله الحلو من قبل مخابرات عبد الحميد السراج وتذويبه بالأسيد 1959 ” ولم يكن ادائي له علاقة بالأداء المسرحي بل كان صراخًا:

نحن حبـَّات ُ البذار ْ

نحن لا ننمو جميعا ً عندما يأتي الربيع ْ

بعضـُنا يهلك ُ من هول ِ الصقيع ْ

وتدوس البعض َ منا الأحذية ْ

ويموت البعض ُ منا في ظلام الأقــْبية ْ

غير أنـَّا كلــَّنا لسنا نموت

إلى آخر القصيدة ْ

وقد بقي ذاك الاحتفال حديث الأمسيات في بيوت الشيوعيين لعدة شهور. وبالطبع جاء بعض عناصر مفرزة أمن الدولة وشاركوا بالاحتفال وجلسوا في الصف الأول، وجاء احدهم الى والدي، وكان يعرفه، فهو من أبناء المنطقة، وابن لأحد معارف والدي، جاء وروى لوالدي ما جرى في الاحتفال وحرضه علي.

في دمشق مثلًا نظم الحزب بعض النشاطات مثل خطاب خالد بكداش في النادي العائلي في القصاع أواخر سبعينيات القرن العشرين وخطابه في سينما الزهراء خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين وبعض من نشاطات هنا وهناك ولكنها لم تكن سمة للحزب.

كانت أيامنا كشيوعيين مملة تتكرر بدون أي جديد، اجتماعات يعاد بها ذات الكلام، وذات الجدل حول الجبهة والتعاون وحزب البعث، بدلًا من أن تكون موضوعات الاجتماعات نقاش لتنظيم نشاطات او احتجاجات او مهرجانات او حتى رحلات، وحتى هذه نادرًا ما كانت تتم. ولم يبادر الحزب لإقامة نشاطات اقتصادية (مشاغل، جمعيات تعاونية، حرف، مصانع تعاونية) تدر عليه دخلًا وتخلق فرص عمل وتراكم خبرات عند كوادره، وهو ما تفعله أحزاب شيوعية وغير شيوعية، (كان له مكتبة ميسلون في دمشق وترتبط بيوسف فيصل). وكان اعتماد الحزب على معونة مالية قيل أنها كانت 200 الف دولار سنويًا، وكانت تأتي ليد خالد بكداش ولم تكن خاضعة لأي محاسبة، وكان خالد بكداش قد سهل لفؤاد قدري، وهو والد قدري جميل، أن يكون وسيط الشركات الشرقية في صفقاتها مع سوريا، وأن يحصل منها على كمسيون يذهب منه جزء للحزب، كان يذهب لخالد بكداش فعليًا. وكافة المعلومات عن أموال الحزب هي معلومات غير موثقة لأن خالد بكداش، من تلاه في قيادات انشقاقات الحزب، لم يكن يقدم أي تقرير مالي لأي سلطة حزبية.

ذات مرة اقترحت على الحزب إنشاء جمعية تعاونية استهلاكية، تبدأ في أحد احياء دمشق أو مدينة أخرى، كتجربة يتم التوسع بها بعد ذلك، ولكن لم يقبض أحد في قيادة الحزب هذه الفكرة. وربما لم تكن السلطة الأمنية لتسمح بذلك، فثمة تجربة تعود لسبعينيات القرن العشرين حين سعى بعض الشيوعيين في السقيلبية ومنهم ضاهر ضاهر على ما أذكر لإقامة جميعة تعاونية للنقل وشراء ميكروباص، جاء الطلب بالرفض.

كل هذا ما جعل الحزب يفقد دوره تدريجيًا، ويفقد تأثيره وقواعده وجاذبيته وبدأ بالشيخوخة والموت التدريجي. ….. فسياسة الحزب ومواقفه لم تكن جاذبة لأحد…. فمن هو ضد السلطة لن يأتي لحزب حليف ثانوي لها، وله مواقف رخوة، ومن يحب السلطة يذهب لحزب البعث وليس للحزب الشيوعي، والسوري العادي غير المسيس يذهب لحزب البعث، لأن الوظائف والمنافع ارتبطت بالانتماء للحزب، ولكن من جهة أخرى كان الحزب يستمد بعض القيمة من كونه جزء من حركة عالمية كبرى، وانه يقوم على نظرية لها مكانتها في الفكر السياسي العالمي، وكان يرسل طلاب للدراسات في الدول الاشتراكية، وكان للحزب ذاكرة يختزنها الشيوعيون القدامي فتمد الشيوعيين الجدد بقوة معنوية، وكان الحزب على نحو ما موئل لمن يريد ان لا يكون مع السلطة ويعارضها على نحو خفيف بما يجعله لا يدفع الثمن الباهظ الذي دفعه من عاداها حتى بمجرد إصدار بيان فقد اودعهم السجن لسنوات.

عندما ذهبت إلى ألمانيا الشرقية رأيت تنظيم مشابه لكافة جوانب الحياة هناك، حزب شيوعي تحت اسم “الحزب الاشتراكي الألماني الموحد” يقود جبهة فيها بضعة أحزاب ثانوية هامشية “مخصية” هي الأخرى، وجيش عقائدي، والحزب يحتكر العمل النقابي ويسيطر على منظمات النساء والطلاب وغيرهم، والإعلام تسيطر عليه الدولة، ورقابة شديدة على الكتب التي تنشر، وعلى ما تكتبه المجلات، وكان يلفت انتباهي أن مقالات مجلة متخصصة بالمال مثلًأ يبدأ كتاب مقالاتها دائمًا بقرارات آخر مؤتمر للحزب، فقد كانت كالفاتحة. وكان الألمان الشرقيون يعيشون رهاب جهاز أمن الدولة المعروف بالشتازي Stazi وهو اختصار ل State Zicherheit، أي أمن الدولة، والألمان الشرقيون هم من نظم أمن الدولة في سوريا، ولا يسمح لأي مواطن الماني ان يحتج ولا ان يضرب او يتظاهر، بل عليه ان ينزل مسيرات تأييد حين يطلب منه، وأن يذهب الى صناديق الانتخاب ليدلي بصوته وفق مشيئة الحزب والأمن من ورائه.

ولكن للإنصاف لا مجال للمقارنة بين المانيا الديمقراطية التي كانت بلدًا صناعيًا متقدمًا، يؤمن لمواطنية كافة مستلزمات حياتهم من تعليم وطبابة وسكن وعمل وترفيه وغيرها، وكان شبه خال من الفساد، ولم يكن ثمة فوارق طبقية بين الناس، ولم يكن وجود الأمن ظاهرًا ولم يكن رجال الأمن أو الدولة يمارسون أي تعسف بحق الناس.

رغم أني كنت أعلم نظريًا شكل تنظيم الدولة في المعسكر الشيوعي، ولكن أن تعيشه فله طعم آخر. هذا الواقع صدمني وطرح السؤال الكبير في رأسي:

  • في سوريا أنا ضد تنظيم الدولة الاحتكاري للسياسية والاقتصاد وحجز حريات الناس، ولكنه هو ذاته في المانيا، مع فارق خبرة الألمان وقدرتهم على التنظيم، مقارنة بخبرة سوريا،
  • وسألت نفسي: لماذا هناك خطأ وهنا في المانيا صح؟
  • وقد نقل هذا السؤال قناعاتي إلى مكان آخر، خاصة أنها كانت سنوات البيروسترويكا.
مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: