تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- تأملات في التجربة
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- تأملات في التجربة

مشاركةFacebookX

الوجه الآخر لتجربتي في الحزب الشيوعي

عندما أعود لتأمل مسار تجربتي المديدة منتميًا للحزب الشيوعي السوري، أستنتج أنه بقدر ما فتح الانتماء الحزبي آفاقًا رحبة أمامي ورسخ لدي الانضباط والتكتم والانتظام في المواعيد؛ فالاجتماع أسبوعي منتظم بجدول أعمال ثابت، والالتزام به واجب الخ، بقدر ما حدد لي طريقي الذي سأسير عليه في وقت مبكر من عمري، وشكل هذا الطريق “قَالَبًا”، كان عليّ أن “أتقولب” وفقه.

للحزب الشيوعي السوري أنماط محددة للفكر وتنظيم المجتمع والاقتصاد والسياسة، قوالب مستمدة من تجربة السوفييت، وهي التي كانت سائدة في الحزب الشيوعي السوري وأحزاب شيوعية كثيرة في العالم، وله مراجع ومصادر فكرية محددة، وله تاريخ وقصص وحكايا محلية وعالمية ورموز وأبطال وأدباء ومفكرين وغيرها الكثير. وكانت القناعة أن كل هذا صحيح وما عليَّ سوى أن أفهمه. وبالتالي شكل كل هذا “هيمنة” على تفكيري وأحلامي، وكل هيمنة هي نوع من المصادرة، وبشكل عملي هو من جهة أمدني بأحلام من نمط محدد، وبالمقابل صادر تفكيري الحرّ وصادر أحلامي وجعلها في منحى محدد، فكل أحلامي كانت من خلال هذا الانتماء. وكنت أكبت أحلامي الخاصة، بل كنت أشعر أحيانًا وكأنني أرتكب معصية عندما تضج برأسي أحلامي الخاصة، فلم أترك لها أن تنبثق انبثاقًا حرًّا من حياتي الشخصية، وكنت أقمعها بذلك الحلم الجماعي الذي أتشارك به مع آخرين كثر، ولم تكن أفكاري حرّة، بل مقيدة بما يقوله الحزب، ومرتبطة بما أقرؤه من كتب سوفيتية، وقد قرأت الكثير، وكنت أُقنِعَ نفسي بكل ما يأتي من الحزب، وبما هو موجود في الكتب. ومازلت أذكر ذلك المثال الذي قرأته في كتاب “المادية التاريخية” عن المقارنة بين “البوصلة” التي تشير دائمًا إلى الشمال، وبالتالي فهي مقيدة، ولكنها تشير الى الاتجاه الصحيح، وكان المقصود بهذا “الانتماء الفكري والحزبي”، وبين “دوامة الريح” التي تغير اتجاهها بحسب اتجاه الريح، فهي حرة الحركة، ولكنها تضيع في الاتجاهات، والمقصود بهذا “عدم الانتماء”. ومازلت أذكر دفاعي المستميت عن موقف الاتحاد السوفيتي “العظيم” بالاعتراف بإسرائيل، وبأنه الموقف الصحيح! ثم ترددت أنباء، بعد سقوط النظام الشيوعي، بأن ستالين قال، في اجتماع المكتب السياسي الذي ناقش الاعتراف بإسرائيل: “لنعترف بها، كي نزرع شوكة في مؤخرة العرب ينشغلون بحكّها دائمًا”، وقد يكون هذا من الأقوال الموضوعة، لكن يمكنني الآن فهم قرار الاعتراف السوفيتي المبكر بإسرائيل قد كان مدفوعًا بتأثير اليهود في الحزب الشيوعي الروسي/ السوفيتي آنذاك، وبمناخات الحرب العالمية الثانية، والتعاطف مع اليهود بسبب جرائم النازية ضدّهم، ولكن هناك أيضًا -كما كنا نتداول ضمن الحزب على نطاق محدود- أن الاتحاد السوفيتي قد أراد قيام دولة حديثة “إسرائيل”، في قلب عالم عربي قديم كي يُحرّك مياهه الراكدة. وكان حزب العمل الاسرائيلي آنذاك الحزبَ الأقوى بتوجهاته الاجتماعية، وهو من أحزاب الأممية الثانية، وكانت تجربة التعاونيات “الكيبوتس” التي رأى فيها السوفييت بذور لأفكار اشتراكية وغيرها. كما كنت أيضًا ادافع بحماس عن اتهام الحزب الشيوعي بأنه يكتب ويتحدث عن فيتنام أكثر مما يكتب ويتحدث عن فلسطين بكثير، بل كنت أجادلُ بأن سيارة “الجيب- واظ” الروسية أفضل من سيارة اللاندروفر الإنكليزية. وأتذكر صديقي الشاعر الشيوعي الذي كان يتغنى بقصيدة تقول :

رفاقنا يضاجعون دون لذة،

ويذرعون في البطون بذرة الأمل،

ودونما قبل …الخ”

أي يستنكر حتى اللذة على الرفاق، ويريدها فعل واجب ميكانيكي، وبالمناسبة كان هو في حياته الشخصية زير نساء.

تلك هي مجرد بضعة أمثلة أتذكرها واستنتج: “إن الانتماء الأيديولوجي هو نظارة بزجاج ملّون، يرى من يرتديها جميع الأشياء بلون واحد رغم اختلاف ألوانها”.

إذ كان الحزب ينمّي اهتمام الفرد بالشأن العام، فغالبًا ما يكون هذا على حساب الشأن الخاص، وعلى حساب اهتمام الفرد بأسرته وبيته ودخله، ويدفعه أحيانًا نحو خيارات ومسارات في الحياة ما كان ليسير بها لولا انتماؤه الحزبي. وفي البلدان الديمقراطية يكون هذا الاهتمام بالشأن العام أمر منتج لأنه يساهم في التغيير من خلال النظام الديمقراطي وحريات التعبير عن إرادة المجتمع سواء بحرية التعبير عن الرأي كتابة أو بالتظاهر أو الإضراب أو عبر صناديق الاقتراع، أي يضحي الفرد بشيء من أجل تحقيق شيء آخر ربما أكثر أهمية. أما في بلد يسوده الاستبداد، مثل سورية، فهو اهتمام غير منتج لأن الفرد لا يملك القدرة على التأثير، سواء كان مستقلًا أو منتظمًا بحزب، أو أن تأثيره هامشي وتكاليفه أكبر بكثير من تأثيره، خاصة في حزب ارتضى أن يدخل الجبهة التي يقودها، أي يقوده حزب البعث وعلى رأسه حافظ أسد. ومن اشهر النكات التي كنا نتداولها، أن الحزب الشيوعي طلب من خطاط أن يكتب إسم الحزب في أعلى مدخل مكتب الحزب الشيوعي السوري، وبينما الخطاط يكتب الكلمات الأربع “مكتب الحزب الشيوعي السوري” جاءه رجل مخابرات فسأله بغضب: ماذا تفعل؟، فاكمل الخطاط الكتابة وأضاف: لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي. طبعًا كان ممنوع على الحزب ان يضع لائحة تشير الى أن هذا مكتب للحزب.

ما لم أدركه إلا بعد سنوات، هو أن الانتماء السياسي، قد حدد العديد من خياراتي ومسارات حياتي اللاحقة. وهذه نتيجة تسري على جزء كبير ممن ينتمون لأحزاب سياسية، وخاصة الأحزاب العقائدية التي لها عقيدة/ إيديولوجيا. فأتذكر أن اجتماعات الحزب واهتماماته أخذت الكثير الكثير من وقتي وأنا في سنة البكالوريا، خاصة وأنني كنت في قيادة منظمة طلاب الثانوي في حماه، وكان لدي اجتماع كل يوم، مما أثر على دراستي ومجموعي في البكالوريا الذي حدد خيارات دراستي الجامعية. وقد اخترت دراسة الاقتصاد بسبب، اهتمامي بالاقتصاد منذ مرحلة الثانوية العامة، وفي كلية الاقتصاد بجامعة حلب بدلت تخصصي من المالية العامة الى الاقتصاد السياسي، لأنه أقرب للعمل السياسي، لأكتشف فيما بعد أن اختصاص المالية العامة كان مناسبًا أكثر، لأسباب يضيق المكان عن مناقشتها. بل حدد انتمائي الحزبي زواجي، لأنني التقيت بزوجتي في بيت أحد أعضاء الفرقة الحزبية التي انتظمت بها، وكانت الاجتماعات تعقد في بيته، وتحولنا إلى أصدقاء رغم فارق العمر، ثم أصبحت صهره، كما حدد مصير عملي في مؤسسة الإسكان العسكرية، وقد ذكرت ذلك في موضع آخر، وحدد انتمائي السياسي صداقاتي الشخصية والأسرية الى حد بعيد، وترك أثره الواضح على حياتي العائلية، إذ كان الانشغال بقضايا الحزب على حساب اهتمامي بعائلتي وأطفالي، وكان سببًا في تسريحي من عملي في مؤسسة الإسكان العسكرية بقرار من الأمن العسكري صيف 1985، كما كان القاطرة التي قادتني الى المانيا الشرقية بعد تسريحي من عملي في مؤسسة الإسكان العسكرية، بينما بقيت عائلتي في سوريا، وغيرها الكثير….. وربما لا يخطر على بال من لم يجرب الانتماء الحزبي كل هذا التأثير للانتماء السياسي على مسارات حياة الفرد … وهذا يكون في الأحزاب التي لها بنية فكرية صلبة فقط مثل الأحزاب الشيوعية والحزب القومي السوري وأحزاب الإسلام السياسي، أما الأحزاب الأخرى مثل البعث والناصرية وحزب الشعب والحزب الوطني وغيرها فلا تملك غالبًا هذا التأثير الكبير على مسارات حياة المنتمين إليها.

انتمائي الحزبي وجه كل احلامي باتجاه إكمال دراستي في موسكو، كمبتعث من الحزب، قد طغى على أحلامي الأخرى، حتى إنني لم أذهب للدراسة في إسبانيا، بعدما فشل ذهابي إلى موسكو، مع أن هذا كان متاحًا لي، وبعض معارفي ذهبوا، فتكاليف الدراسة في إسبانيا يومذاك لم تكن أكثر من تكاليف الدراسة في حلب، حيث درستُ الاقتصاد، وظلّت موسكو حلمي الوحيد، فموسكو هي كعبة الشيوعيين، وكنت أردد المقطع الشعري لتوفيق زياد:

لولاك يا موسكو الحبيبة

ما بللت قبُّرة منقارها في النيل.

وظلّ حُلم الوصول إلى موسكو يراودني، طوال تلك الأيام، ولكنّه لم يتحقق، فقد وعدت من الحزب بأن أحصل على بعثة دراسية في موسكو بعد نجاحي في البكالوريا سنة 1970، ولكن هذا لم يتم، إذ اختارت قيادة الحزب طالب آخر لاعتبارات عائلية، كما وعدت أن أذهب لأكمل دراسة الدكتوراه في موسكو موفدًا من الحزب بعد تخرجي من كلية الاقتصاد سنة 1974، ولكن هذا لم يتم، رغم أنني طيلة السنوات الجامعية كان انشغالي بالحزب أكثر بكثير من انشغالي بدراستي، فقد كنت مع أربعة رفاق آخرين عضوًا في قيادة منظمة جامعة حلب، وكانت سنوات صراعات الحزب الداخلية. وبعد انتهاء خدمتي العسكرية صيف 1977 تقدمت بطلب لمتابعة دراستي في موسكو، ولكن طلبي تم إهماله، رغم أنني كنت الأجدر للحصول على المنحة الدراسية في المرات الثلاث، ولكن كان لأصحاب القرار في الحزب معاييرهم الخاصة. ولكن بعد أن تم طردي من عملي من مؤسسة الإسكان العسكرية للمرة الثانية سنة 1985 بقرار من الأمن العسكري، حصلت على منحة دراسية في المانيا الشرقية، وتم ذلك بقرار من يوسف فيصل آنذاك، بعد أن توطدت علاقتي به، وكنت آنذاك عضوًا في المكتب الاقتصادي للحزب، وكان من بين أعضائه على ما أذكر كل من عمار بكداش وقدري جميل ومفيد حلمي ورأفت كردي وداوود حيدو وآخرين وكان يرأسه عضو المكتب السياسي المحامي موريس صليبا. وكنت أكتب في كل عدد من جريدة نضال الشعب، وفي مجلة دراسات اشتراكية، وكنت أنشر باسمي الصريح، أو باسم مستعار “سعيد سليمان”، ولكن جاء الابتعاث متأخرًا جدًا خارج مواسمه، فلم يكن له تلك البهجة، وكنت قد بلغت الرابعة والثلاثين وتزوجت وصار لديّ طفلة “مي” وعليّ التزامات عائلية، ولم يقبل الحزب أن توفد زوجتي ببعثة مماثلة لترافقني، لذا لم يَنته ابتعاثي نهاية سعيدة.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: