تجربتي في الحزب الشيوعي السوري، على صعيد الفكر
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

تجربتي في الحزب الشيوعي السوري، على صعيد الفكر

مشاركةFacebookX

على صعيد الفكر:

التنظيم الحزبي لم يعلّمنا التفكير النقدي، بل كان ينفر منه ومن الديمقراطية ومن فكرة الحريات العامة في التنظيم والتعبير، ويعلّمنا أن الماركسية اللينينية لا يأتيها الباطل من خلف أو قدّام، وقد دوّن كلمة لينين على غلاف كل عدد من أعداد مجلة “دراسات اشتراكية”، التي كنت أكتب تقريبًا في كل عدد فيها: “إن منهج ماركس كليّ الجبروت، لأنه صحيح”، وأن الحتمية التاريخية قادمة لتقول كلمتها، وأن “سمة العصر” هي انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية.. هذه هي العبارات التي كانت ترددها الأدبيات الشيوعية القادمة من الاتحاد السوفيتي. وكان الترويج أن الماركسية اللينينية هي نظرية كاملة متكاملة ليس فيها أي نقص، وتصلح لكل زمان ومكان، دون الحاجة لاستبعاد أي جزء منها أو أي إضافة أو تعديل أو تصحيح، بما يشبه قول المتزمتين من المسلمين بأن في القرآن كلّ شيء، والإسلام هو الحلّ. ولم نناقش يومًا موضوعات تكييف النظرية وتكييف التجارب الأخرى مع الواقع المحلي. ولم يكن في الحزب نقاشات حول تنظيم سورية المستقبل، ولا كيف سينظم الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة المحلية والدولية، ولا كيف ستكون الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، حيث كان النموذج السوفيتي هو النموذج الجاهز، ويمكنهم تقليده بسهولة. ولم نسأل قط عما يناسب سورية وما لا يناسبها، فقد كنّا مثل من يسير في شوارع دمشق، وفي يده خريطة موسكو على أنها تنطبق على دمشق، وعندما يصطدم بحقيقة عدم التطابق، تبقى قناعته أن “الخريطة صحيحة، ولكن دمشق خاطئة”. وانتشرت في تلك الأيام النكتة الشهيرة أنّ خالد بكداش كان يقف في المرجة، في شهر تموز، بعزّ الصيف والحرارة 40، وهو يرتدي ثيابًا شتوية ويحمل شمسية! وعندما استفسر أحدهم منه عن ذلك أجابه: “إنها تمطر في موسكو”.

كان الحزب يركّز في دعواه على الفقر، “حزب الفقراء”، وبدا وكأنه جاء أساسًا لينصف الفقراء والمظلومين، في حين لم تأت الاشتراكية العلمية بهذا الدافع أو لهذا السبب. ولا شكّ أنّ إزالة الفقر عبر تطوير قوى الإنتاج والقضاء على الاستغلال هي إحدى نتائج إقامة النظام الاشتراكي. ومن المعلوم أن “الاشتراكية العلمية” قد فرضها تطور قوى الإنتاج المعتمدة على العلم والمعرفة والاختراعات التي وصلت إليها البشرية والتي جعلت عملية الإنتاج تتخذ طابعًا جماعيًا، في حين أنّ ملكية وسائل الإنتاج بقيت فرديةً يعوق تطوّر قوى الإنتاج، ولذلك يجب تحويل ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية جماعية تتفق مع الطابع الجماعي والاجتماعي للإنتاج، مما يفتح الطريق أمام تطور قوى الإنتاج التي يجب أن تنظم على أعلى مستوى بشكلٍ يتيح قدرة إنتاجية أعلى تستطيع تلبية الاحتياجات المتزايدة للبشر؛ إلا أن هذا التركيز الشديد على قضايا الفقر، على حساب غيره من القضايا الأساسية، قد شَوّهَ كلّ شكل الحزب، وأصبح الفقرُ مقياسًا للرفيق الجيد، مع أن عددًا غير قليل من أبناء العائلات قد انتسبُوا إلى الحزب، وكان الحزب يُرحّب بهم، في حين كان ينفر من المثقفين الذين يُحبّون الجدل وطرح الأسئلة المباشرة والحساسة، وعليه قام خالد بكداش بطرد المفكر إلياس مرقص، وهو من أبرع المثقفين السوريين، كما طرد المحامي نجاة قصاب حسن، لأنه كان كثير الأسئلة وكثير الانتقاد، وكان المناخ في قيادة الحزب معاديًا للمثقفين عمومًا.

بقي الحزب يردد في وثائقه تمسكه بديكتاتورية البروليتاريا وسلطة الطبقة العاملة دون ان يجتهد على أي نحو لتكييف مثل هذا المبدأ الرئيس في نظير ماركس السياسية مع بلد نام لا تشكل فيه الطبقة العاملة القوة الأساسية في المجتمع، ولم يمعن النظر في تحول هذه النظرية في التطبيق إلى دكتاتورية الحزب ثم دكتاتورية الفرد، واكتشفنا متأخرين سذاجة عدائنا للديمقراطية وللحريات العامة في التنظيم والتعبير بكافة أشكالها، والفهم الميكانيكي للتطور التاريخي ومراحل التطور، من التشكيلة المشاعية إلى العبودية فالإقطاعية فالرأسمالية، لتنتهي بالاشتراكية كمرحلة أولى، ثم الشيوعية كمرحلة نهائية للبشرية. وكان من الصعب علينا ان نهضم وهم ماركس باندفاعه والاعتقاد بأن سقوط الرأسمالية بات وشيكًا، ونتيجة كلّ ذلك تعلّمنا بوقت متأخر أن الفكر الثوري والحزب الثوري يتحوّلان إلى فكر رجعيّ، عندما يقفزان إلى السلطة، ويقيم سلطة مستبدة تصادر الحريات العامة، وأن الحزب يفقد ثوريته وروح التغيير لديه، ويصبح متمسكًا بالجمود كي يبقى الحال على ما هو عليه، فيصبح الحزب وسلطته رجعيين، بالمقارنة مع الرأسمالية التي أثبتت أنها أكثر ثورية وديناميكية. وقد تبرز الصين لدى البعض كمثال على السلطة الشيوعية الثورية، حيث استطاعت الدولة ان تقود نمو الصين الملفت للنظر وخاصة بعد سنة 1987، ولكن ردي هنا ان النظام القائم في الصين لا علاقة له بالاشتراكية، فقد اقام الحزب الشيوعي الصيني نظامًا رأسماليًا بدون حتى ضمانات الرأسمالية في أوروبا الغربية، مع استمرار الاستبداد السياسي.

في النظرية على الصعيد الاقتصادي، تبين أن تأميم النشاط الاقتصادي ووضعه بيد الدولة وعمليًا بيد جهاز بيروقراطي هائل، إنما يحوله إلى قوة معطلة لإبداعات الفرد والجماعة وبما يقتل القدرة الإنتاجية. وقد تبين بالتجربة أنّ الدولة، عندما تهيمن على الاقتصاد وتعطّل آلية العرض والطلب في السوق وحرية الاستثمار وتشكيل الأسعار عبر المنافسة الحرة إلخ؛ فإنها تتحول إلى ربّ عمل فاشل. لذلك بت اليوم اتبنى مفهوم الدور الاقتصادي الذكي للدولة، وهو دور محدد غير مهيمن، ولن أدخل في هذا الموضوع الآن، فشرحه يطول. ولكن مازلت اتبنى الرأي بأن الرأسمالية والليبرالية ليست الحلّ، والحل أعقد بكثير من أفكارنا السابقة، وهذا يحتاج إلى نقاش آخر.

من جانب آخر تعلّمت كثيرًا عبر قراءاتي الذاتية للكتابات الماركسية، وتعلّمت التفسير المادي للتاريخ، ولكني فيما بعد تخليت عن مفهوم الحتمية التاريخية في مناخات الصراع مع الإمبريالية، كما تخليت عن نظرية “دكتاتورية البروليتاريا” وعن غيرها. ولكني كنت، وما زلت، أتبنّى تحليل ماركس للرأسمالية، بمفاهيمه الأساسية، وما زلت حتى اليوم اتّفق مع التقييم العالي لكتابات ماركس، فأطياف ماركس ما زالت حاضرة وستبقى، حتى تجربة لينين التنظيمية التي حكمتها الشروط السائدة في روسيا، آنذاك، فيها معرفة ولها قيمة، فكل تجربة من التجارب علّمتنا الكثير حتى في جوانب ضعفها وفشلها. ولكن اليسار العالمي اليوم يقف عاجزًا عن تطوير نظريات وتجارب جديدة، تُكمل سير البشرية نحو نظام اقتصادي اجتماعي سياسي ديمقراطي عادل.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: