تجربة الإدارة بالأهداف في سورية 1999 – 2000

تجربة الإدارة بالأهداف في سورية 1999 – 2000

مشاركةFacebookX

هذا مثال آخر على الإدارة الفاشلة.

قبل تولي بشار الأسد، ضمن برنامج الترويج له لوراثة السلطة، بدأ يتسلم ملفات مهمة، مثل ملف لبنان، ويتدخل في العديد من القضايا الداخلية، بالرغم من أنه لم يكن يشغل أي موقع وظيفي رسمي في الدولة، وهذا ينطبق على طبيعة الأنظمة الملكية وليس الجمهورية الدستورية. وكانت غاية تدخله في بعض الملفات الداخلية هي إظهاره كرجل تغيير وإصلاح، طالما انتظره السوريون كي يكون أملًا لهم، وأطلقوا تعبير: “باسل المَثَلْ وبشار الأمَلْ”. وشمل بشار باهتمامه قضايا الإدارة والاقتصاد، ووجد من قدّم له فكرة “الإدارة بالأهداف”، وهي أحد مناهج الإدارة التي تهدف إلى تحسين أداء الشركة، عبر وضع استراتيجية عامة لفترة زمنية محددة، لها أهداف عريضة، ثم إسقاط هذه الأهداف العريضة على كل قسم وكل وحدة في المؤسسة، وتحديد أهداف لها، ويمكن تحديد أهداف كل مشتغل فرد، ومن ثم تأمين المستلزمات واتخاذ الإجراءات التي تساعد في تحقيق الأهداف، أي أن تحقيق الأهداف هو من يقود كل شيء ويوجهه، وتتم المحاسبة على أساسه.. الخ.

استُقبلت الفكرة بترحيب، لأن عيوب القطاع العام كانت كبيرة جدًا، ونُظر لإطلاق هذه التجربة كمقدمة لإصلاح القطاع العام، فذاك القطاع الذي استثمرت فيه الحكومة مليارات الدولارات، ويعمل فيه مئات آلاف العاملين، كان يعمل بإنتاجية ضعيفة، ويتكبد خسائر كبيرة جدًا، وكان يعاني المركزية الشديدة، وتعدد الجهات الوصائية، وخلط الاقتصادي بالاجتماعي، وفائض قوة العمل وتدني أجور العاملين، وضعف التحفيز والمساواة بين المجد والكسول، وتقديم الانتهازي على الكفء، وانتشار الفساد وغياب الوظيفة الاقتصادية، وتخلف مفاهيم الإدارة وضعف كادره الإداري، وغياب وظيفة البحث والدراسة التقنية والإدارية.

أعطى بشار تعليماته للعبد المأمور، رئيس الوزراء آنذاك محمود الزعبي، فأصدر الزعبي بتاريخ 17 كانون الثاني/ يناير 1999 القرار رقم 781 المتضمن تطبيق تجربة الإدارة بالأهداف، والتي قامت على مبدأ نقل صلاحيات المالك، أي الدولة ممثلة بالحكومة، إلى إدارة الشركة، ومبدأ المحاسبة على النتائج، وفك التشابك بين الوظيفتين الاقتصادية والاجتماعية، وعدم الخلط بينهما في نشاط القطاع العام السوري، وقد أرفق رئيس الوزراء مذكرة توضيحية بقراره، تتضمن المبادئ العامة والصلاحيات واتجاهات التجربة، وقد منحت المذكرة مرونة أكبر وصلاحيات أوسع وسلطة اتخاذ القرارات للجنة الإدارية للشركة ولإدارتها التنفيذية، في وضع خططها السنوية وتأمين مستلزماتها المادية والبشرية، والأخذ بالعلاقات التجارية والنقدية وتطبيقها، وترك فائض السيولة للشركة وعدم تحويله إلى وزارة المالية، وربط أنظمة الحوافز بالنتائج الكمية والنوعية، وكفّ يد الرقابة المتعسفة، وذلك من أجل تطوير الإنتاج وفق النسق المنشود.

حُدِدَتْ مدة سنتين لتطبيق التجربة وتقييمها، قبل تعميمها. وتم اختيار أربع شركات صناعية حكومية لتطبيق التجربة عليها، وهي: الشركة الطبية العربية (تاميكو) بدمشق، والشركة العامة للصناعات الزجاجية والخزفية بدمشق، والشركة العامة للصناعات الحديثة بدمشق، والشركة العامة لصناعة الخيوط بحماة.

وأصدر الزعبي كذلك قرارًا يقضي بتشكيل لجنةٍ للإشراف والمتابعة، برئاسة وزير الصناعة، وقد أنيط بها مسوؤلية الإشراف على تطبيق التجربة ومتابعتها، وحل المشكلات الناجمة عن التنفيذ، وكلف محمود سلامة بأمانة سرّ هذه اللجنة، وكان بمنزلة مدير تنفيذي للتجربة.

لا أذكر من دعانا إلى عشاء في أحد مطاعم الربوة سنة 1998، حيث تعرفت على محمود سلامة، ونشأت بيننا مودة، والتقينا بعدها في أكثر من مناسبة، وعندما سمّي أمينًا لسرّ تجربة الإدارة بالأهداف، اتصل بي وطلب أن نتعاون في إنجاح التجربة.

كان محمود سلامة من أشد المتحمسين لتجربة الإدارة بالأهداف، وكان يعمل لإنجاحها، وسعى لوضع أنظمة أكثر مرونة وصلاحيات للإدارة (المالية، والعقود، التكاليف المعيارية، العلاوات، المكافآت.. الخ) وطلب من الشركات الأربع القيام بتشخيص وتوصيف لأوضاعها، لتحديد نقاط ضعفها وقوتها، وتحديد أهم صعوباتها، بغرض البحث عن حلول لها، ومن ثمّ وضع خططها وتحديد أهدافها وبرامج لتتبع التنفيذ، وبرامج تدريب للمديرين على أساليب الإدارة الحديثة، وقدمت له متطوعًأ كل خبرتي أملًا في أن التجربة تؤسس لعقل جديد في الإدارة الحكومية السورية

على الطريقة السورية:

بالرغم من أن ما تقدّم وما كُتب على الورق بدا مبشّرًا، إلا أن التنفيذ، على طريقة سلطة البعث – الأسد، كان في موضع آخر. فمنذ البداية، لم يكن أحدٌ قد قدّم أي دراسة وافية تحضيرًا للتجربة، ولم يوضع لها تصور عام، والأهم أنها لم تكن جزءًا من برنامج إصلاح متكامل تشكل هي بدايته التجريبية، ولم يكن قرار رئيس الوزراء يشكل مرجعية قانونية كافية لتجاوز قوانين ومراسيم تكبّل القطاع العام، بينما كان على التجربة أن تصدر بقانون، لا بقرار رئيس مجلس الوزراء، ولم تكن مهمة لجنة المتابعة واضحة: ألها صلاحيات اتخاذ القرار أم أنها مجرد لجنة استشارية، ولم تكن صلاحيات الوزير أحمد نظام الدين، بصفته وزيرًا أو رئيسًا للجنة المتابعة، كافية لتقديم دعم كاف لإنجاح التجربة، فكيف إذا كان هو ذاته من أفشل الوزراء، وكان معاديًا للتجربة، وعمل على إفشالها، وقد هاجمها البعض بحجة أنها بداية للخصخصة، وهاجمها من كانت لهم مصالح فاسدة، لأنهم ضد أي تغيير أو محاولات تغيير. ولم يخصص للتجربة جهاز إدارة مفرغ، وكان مع محمود سلامة بضعة موظفين بعدد غير كاف، ولم يخصص له موارد مالية، كما لم يتم اختيار الشركات الأربع، وفق معايير موضوعية، بل تم اختيار شركات مثقلة بالمشكلات، من دون تقديم حلول عاجلة لمشكلاتها المتراكمة على مدى عقود، فلم تحل مشكلات الديون القديمة ومشلكة نقص السيولة وفائض قوة العمل، وبقيت المركزية شديدة، ولم تمنح المرونة، وبقيت الصلاحيات حبرًا على ورق، ولم تمنح الشركات الأربع استقلالية مالية، ولم تمنح حرية تسعير منتجاتها، ولم تتخلص من روتين المناقصات، ولم تتخلص من تدخل الأجهزة الأمنية، وكل ذلك يعني أن التجربة فاشلة سلفًا.

محاضرة الثلاثاء الاقتصادية:

في شهر شباط/ فبراير سنة 2000، كلّف محمود سلامة بإلقاء محاضرة، ضمن برنامج الثلاثاء الاقتصادي، عن تجربة الإدارة بالأهداف، وكلفت أنا “سمير سعيفان” بالتعقيب عليها ومناقشتها، وبما أنني كنت أتعاون معه، فقد تعرفت على التجربة بعمق من داخلها وأعرف كل نقاط ضعفها. وكانت الندوات تعقد في قاعة المركز الثقافي بالمزة، وكان الدكتور كمال شرف (رئيس الجمعية آنذاك) هو من يدير الجلسات. وقبيل بدء المحاضرة، فوجئ الحضور بدخول بشار الأسد إلى قاعة المحاضرات، يرافقه اللواء بهجت سليمان (كان آنذاك رئيسًا للفرع الداخلي في أمن الدولة الشهير بفرع الخطيب)، وكان اللواء بهجت قد كُلّف من قبل حافظ أسد بالإشراف على تأهيل ولده بشار لوراثة الرئاسة، وقد حضر بشار المحاضرة، واستمع للمناقشات، ولم يتكلم، وانسحب حين انتهت. وكانت قاعة المركز تغص بالحضور، وحدث ازدحام كبير على طلب الإذن بالكلام، بحضور بشار الأسد، كي يراهم، فقد سرت شائعة بأن بعض الوزراء يتم اختيارهم من خلال هذه الندوة التي اكتسبت شهرة كبيرة، في تسعينيات القرن العشرين، وبقيت تلعب هذا الدور الذي اضمحل بعد 2003، وكان يحضرها مراسلون لصحف عربية، ودبلوماسيون من السفارات، وكبار رجال الأعمال السوريين، فقد كانت منبرًا يملك سقفًا مرتفعًا نسبيًا، للمناقشات المفتوحة، وكان الدكتور عارف دليلة صاحب الحضور الدائم والصوت الأكثر ارتفاعًا في تشريح الفساد وآلة الدولة الصدئة.

محمود سلامة وداعًا:

لم يطل الأمر بمحمود سلامة، فبُعيد تولي بشار الأسد للسلطة، قام بتسمية محمود مديرًا عامًا لمؤسسة الوحدة للطباعة والنشر، وهي مؤسسة إعلام كبيرة تُصدر صحيفة (الثورة) كما تصدر عددًا من الصحف في عدد من المحافظات، وتملك مطبعة كبيرة. وكان تعيين محمود في موقعه الجديد، خريف سنة 2000، إعلانًا لنهاية تجربة الإدارة بالأهداف التي لم تعطِ أي نتيجة إيجابية، ولم تغير في وضع الشركات التي خضعت لها، ولم يتم تقييم التجربة ولا تعميمها، بل تم إهمالها، مما يشير إلى عدم الجدية في تجريب الإصلاح، وفي ربيع 2001 تم تشكيل “لجنة ال 35” لإصلاح القطاع العام الصناعي وتكررت الحكاية على نحو ما، واستمرت اللجان واستمرت المناقشات على مدى سنوات وبقي حال الإدارة الحكومية السورية، “كلام كثير ودون أي فعل للتغيير أو الإصلاح”، والطريف أن جمعية العلوم الاقتصادية مخازالت مستمرة في ندواتها ومحاضراتها يوم الثلاثاء، ومازالت تناقش ذات القضايا التي ناقشتها قبل عقود.

لم تكن الوظيفة الجديدة، التي فرح بها كثيرًا، بداية جيدة لمحمود سلامة، فمحمود تحمس لمنصبه الجديد، وبدأ يعمل لبث روح جديدة في جريدة الثورة الحكومية، إذ استدعى عددًا من كتاب المعارضة للكتابة فيها، ضمن أجواء ربيع دمشق سنة 2000 (اكتبوا عندنا ولا تكتبوا في الصحف اللبنانية)، وأتاح نشر مقالات طويلة في جريدة الثورة، لعارف دليلة ولميشيل كيلو وغيرهم، وقد أغضب ذلك بهجت سليمان وبشار الأسد. ولأن كلًا من بهجت سليمان وآصف شوكت كان لهما سلطة ووزن، وكانا خصمين متنافسين، كان محمود حائرًا في علاقته الشخصية الجيدة بكليهما، إضافة إلى علاقته الشخصية ببشار، وضمن تركيبة نظام الأسد، لم يكن من الممكن أن تكون في ذات الوقت على علاقة جيدة برجلي سلطة نافذين، إن كانا خصمين، وعليك أن تختار، وقدّر محمود أن آصف شوكت أقوى من بهجت، بحكم أنه زوج ابنة حافظ أسد، فأخذ يميل إلى آصف، ويقدّم إرادته على إرادة بهجت، ولكن لم تمض سوى شهور قليلة حتى استطاع بهجت أن يُقصيه من إدارة جريدة مؤسسة الوحدة، في ربيع 2001، ومن ثمّ من جريدة الثورة، بسبب إفساحه المجال أمام شخصيات معارضة لنشر مقالاتهم في جريدة الثورة، وتم وضع محمود تحت تصرف رئيس مجلس الوزراء، فغدا -عمليًا- بلا عمل ولا أمل، ولم تنفعه عبارات الإطراء التي كان يكيلها لبشار الأسد: “أنت الأمل”، وكان محمود يردد بأسى: “إذا مع واحد متلي ما قدر هاد النظام يتفاهم، كيف بدهم يتفاهمو مع العالم”. ولم يكن محمود بعثيًا، ولكنه يتبنى الفكر القومي، وكان نقابيًا معروفًا وصديقًا للسلطة، وكان نائبًا في مجلس الشعب لأكثر من دورة، وشغل وظيفة مدير عام لإحدى شركات القطاع العام للملبوسات. ولم يطل الزمن بمحمود، فقد توفي فجأة في خريف 2001، وهو يسبح في مسبح أحد أصدقائه في مزارع يعفور.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: