بين دوغين وبوتين
المعراضة السورية واللجنة الدستورية

بين دوغين وبوتين

مشاركةFacebookX

أثار فضولي ما سمعته عن الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين بأنه “الفيلسوف المُلهم لبوتين”، وعلى الرغم من علمي أن الدكتاتور لا يتّخذ من أحدٍ مُلهِمًا، وإن أوحى بذلك، فمن الممكن، من خلال معرفة منهج دوغين، إجراء قراءة في عقل بوتين وأفكاره التي لا يعلنها في كلماته وتصريحاته للإعلام. لذا أردت أن أستمع لآراء دوغين، فشاهدت اللقاء الذي أجراه معه علي الظفيري على قناة الجزيرة، كما شاهدت لقاء عمرو عبد الحميد معه على قناة Ten المصرية، وقد عرض دوغين خلال اللقاءين خلاصة نظريته وأفكاره.

وأنا هنا لا أحكم على دوغين الفيلسوف ولا على نتاجه الفكري، وله كتب كثيرة لم أقرأ منها شيئًا، إنما أحكم على ما قاله في اللقاءين المذكورين، وعلى الأفكار التي أراد إيصالها إلى المستمع العربي، وأعتقد أنها تمثل خلاصة أفكاره.

نظريته السياسية الرابعة

قدّم دوغين نفسه بأنه صاحب “النظرية السياسية الرابعة”، وهو يصف نظريته بأنها ليست عقيدة، بل دعوة للتخلص من الاستعمار، ومن خلال إجاباته في الحلقتين، بدا أن جوهر نظريته يقوم على كلمتين: “معاداة الغرب”، ورفض كل ما يمتّ إلى الغرب بِصلةٍ، لأنه إمبريالي، أي هو يحدد نظريته بدلالةِ الغرب، فالعداء للغرب بوصلته، ومن ثم فهو لا يقدّم شيئًا جديدًا أكثر من موقف سياسي يغطيه ببعد فلسفي.

يعادي دوغين الرأسمالية والليبرالية والفاشية والشيوعية والقومية والديمقراطية، ويعادي الحريات العامة والحريات الفردية في التعبير والتنظيم، ويعادي حقوق الإنسان، ويعدّها جميعها منتجات غربية إمبريالية، تمثل هوية الغرب الذي تخلّى عن الدين، وبالتالي فهي هوية استعمارية. ويرى دوغين أن النخب الروسية التي تحمل أفكار الليبرالية والديمقراطية تشكل تهديدًا لسياسة بوتين، وهي خطر على روسيا. بل إنه يرى أن الديمقراطية والحريات العامة خطرٌ على روسيا كدولة موحدة، وستؤدي إلى تفككها، ويرى أن الغربَ يعوّل على ذلك.

إن مثل هذا الإصرار على العداء للغرب مدفوع بصعود قومية شعبوية روسية من جهة، ومدفوع أيضًا بعداء الغرب لروسيا، وهو عداء لا براء منه، فقد عادى الغرب روسيا حين كانت شيوعية، بحجة أنها تشكل تهديدًا لنظامهم الرأسمالي، واستمر الغرب في عدائه لروسيا بعد أن تحوّلت إلى الرأسمالية، فتحول الغرب من العداءِ لروسيا الشيوعية إلى العداءِ لروسيا الأرثوذكسية، وسعى لإذلالها، بل سعى لنهبها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو ما دفع بنمو الروح المتعصبة المعادية للغرب في روسيا.

يقر دوغين بأن تصوره عن النظرية السياسية الرابعة مبنيّ على غريزة، وليس على أي شيء آخر، وهو يدعو إلى نموذج سياسي خاص لروسيا، ويدعو إلى العودة للوراء إلى القيصرية وإلى روسيا المسيحية الأرثوذكسية وإلى التقاليد، فالهوية لديه هوية دينية، وروسيا بالنسبة إليه أرثوذكسية، وفي ذلك يقول: “وطني هو التقاليد، وعالمي الروحي هو عالم الأديان، ونحتاج إلى مجتمع تسوده قوى روحية دينية”، ويرى أن الأرثوذكسية تقوم على مبادئ لا يجمعها أي صلةٍ بالديمقراطية والليبرالية، فالمجتمع الأرثوذكسي يتميز بالجماعية، ويدعو إلى سيادة الجماعة التي يقف على رأسها حاكمٌ مطلق لا يُسأل عمّا يفعل. ويردد بكل صلافة: “بالنسبة لنا، القانون هو لا شيء، والحاكم هو كل شيء”، ويرى أن هذا النموذج اليوم هو بوتين، ويرى أن روسيا ليست دولة مؤسسات، وليس من مصلحتها أن تكون دولة مؤسسات، ولن تكون كذلك، ويرى أن النظام في روسيا ملكيّ، فقد كان ملكيًا في عهد القيصر، وبقي ملكيًا حتى في ظل الشيوعية، حيث كان هناك فردٌ حاكمٌ مطلق “ملك”، وكان ملكيًّا في عهد يلتسين، ثم في عهد بوتين، ويجب أن يبقى ملَكِيًّا.

يعمم دوغين ذلك المبدأ على دول الأرض خارج ما يسميه “الغرب”. ويرى أن على كل بلد أن يبدأ بالبحث عن نظريته الخاصة، وهذا يكون عبر الثقافة والتاريخ والدين الخاص بكل مجتمع، ويرى أن هوية المجتمعات الإسلامية هي الإسلام، ويدعو هذه المجتمعات إلى أن تستمد شرعيتها وشريعتها وأنظمتها من القرآن، ويرى أن الإسلام دين وفلسفة سياسية واجتماعية واقتصادية، وأنّ العَرَب أمام خيارين: إما الليبرالية وإما الهوية الإسلامية، كما يدعو إيران إلى العودة لروحها الفارسية، ويبدي إعجابه بها وبالقيم الإسلامية للجمهورية الإيرانية، لأنها حليفة روسيا، ويرى أن الإيرانيين لا يمكن أن يكونوا إرهابيين، بينما ينتقد الوهابية؛ فالسعودية بالنسبة إليه ليست تابعة لروسيا. وهذا يعني عمليًا أنه ليس مع الإسلام كدين، بل مع الإسلام الذي يصادق روسيا ويعادي الغرب. كما يدعو الصين إلى أن تعود لتقاليدها، ويُظهر إعجابه بها، ولكنه لا يذكر الهند، فهو غير معجب بها، لأنها أخذت بديمقراطية “الغرب”. 

بنظرة عاجلة على جوهر نظرية دوغين الرابعة؛ تبدو أنها أقرب إلى استراتيجية سياسية يغلّفها بعدٌ فلسفي، وأنها تقوم على فكرة أن السوق الرأسمالية العالمية التي زاد انفتاحها مع العولمة في العقود الأخيرة، إنما يسيطر عليها الغرب، حيث يسيطرون على القطاع المالي والمصرفي، وعلى التجارة العالمية وعلى أسواق مختلف السلع والخدمات، وعلى المؤسسات الدولية المختلفة حتى سوق السلاح التي تتميز روسيا بقدرتها على إنتاجه وعجزها عن تسويق منتجاته، وأن هذه السيطرة هي مصدر ثروة الغرب وقوته، ويعتقد أن ما يخدم روسيا ويضعف الغرب هو حرمان الغرب من هذه الأسواق، عبر رفع جدران دينية وثقافية وقومية بين الغرب وبين بقية دول العالم!

تنظير للاستبداد

لا يعترف دوغين بحقّ الشعب في الاحتجاج، أيًّا كان شكل الطغيان والظلم والفساد والفشل وحجمه، وهو يرى في كلّ احتجاج مؤامرة غربية ديمقراطية ليبيرالية رأسمالية معادية، إذا كان الحاكم المستبد صديقًا لروسيا، أو التجأ إليها، كبشار الأسد، لكنه يقف ضد ثورات الربيع العربي، لأنها لا تتوجه بالعداء للغرب، بل تنادي بإسقاط المستبدين، ويرى فيها مؤامرة غربية رأسمالية إمبريالية!

ينكر دوغين الوجود الفردي للإنسان، بما له من حيّز خاص كمواطن فرد خارج الجماعة، ولا يرى فيه سوى فرد تضيع خصائصه ضمن الجموع، وتنتهي جميع حقوقه عندما تبدأ حقوق الجماعة، فلا يراه إلا ضمن القطيع، وهو يريد أن يماهي حياة الناس بحياة السلطان، كما في العصور الوسطى، حيث كان الدين يشكل هوية المجتمعات.

يبرّر دوغين للحاكم المطلق أن يفعل بالمخالفين والمعارضين ما يريده، لحماية “روح الأمة”، وهو بذلك يُبرر القتل في سبيل أفكاره التي تقوم على الجماعية، تلك الجماعية التي تذيب الفرد وحقيقته وشخصيته وحريته في جماعة متخيلة يمثلها الحاكم المطلق، وقد بررت السلطات المستبدة عبر التاريخ استبدادها بهذه الجماعية المتخيلة، جماعية هتلر وموسوليني وستالين وماو تسي تونغ وحافظ أسد وصدام حسين والقذافي والخميني والبغدادي وبوتين، وغيرهم كثير من أنظمة حكم شمولية، بتبرير ديني أو قومي أو تسلط عسكري، ودوغين معجب ببوتين وبشار الأسد.

حبّ متبادل

يرى دوغين أن بوتين يتوافق مع تقاليد روسيا الملكية، إذ قال: “عندما رأيت بوتين، رأيت أنه يمثل روسيا، وروسيا هي بوتين اليوم، وبين روسيا وبين بوتين علاقة مساواة”، ويرى أيضًا أن “الحياة في ظلّ بوتين أفضل من أي شيء آخر”. وهو يؤيد تعديل بوتين للدستور ليبقى في كرسي السلطة للعام 2036، لأنه يرى أن بوتين يمثل “روح روسيا”، ولديه الحق في البقاء في الحكم المدة التي يريدها.. “فليحكم، ما دام قادرًا على الحكم”، وهو يعتقد أن الشعب الروسي عاجز عن إنتاج قائد آخر غير بوتين.

يقرّ دوغين بأن للقيصر بوتين الحق في أن يفعل بروسيا وشعبها ما يريد، وأن يتجه بها حيثما يرى، بملء إرادته من دون أي قيد أو اعتبار، ويرى أن ذلك يعزز روحها المحافظة. ويقر أيضًا بأن القيصر الجديد الذي سيعقب القيصر الحالي (بوتين) سيكون له ذلك الحق في أن يوجه روسيا حيثما شاء.

ودوغين قلق لما سيأتي “ما بعد بوتين”، حيث إن روسيا -بحسب نظريته- تفتقر إلى المؤسسات والديمقراطية والآليات الشفافة في اختيار السلطة، ولذلك فإن مستقبلها ومصيرها سيتوقف على القيصر الذي سيرث بوتين، أي على فرد واحد يقرّر مصير أمة!! هذا ما يدعو له دوغين، فياله من تنظير بائس لمستقبل روسيا!!

وعلى الرغم من أن أفكار دوغين تلقى إعجابًا غير معلن من قبل بوتين، خاصة أن روسيا تضم نخبًا مثقفةً واسعةً تتبنى مبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية والليبيرالية المعادية لاستئثار بوتين بالسلطة، ووجود مثل هذا المنظّر يرضيه؛ فإن بوتين يحتاج إلى بروباغندا تروج أفكاره وتدافع عن أفعاله وتبرّر استمراره في السلطة لعقدين من الزمن حتى الآن، ولكن بوتين والكرملين يتحاشون إظهار أي صلة لهم بدوغين لأنه استفزازي بالنتيجة.

وقد أجابني صديقي الدكتور محمود الحمزة، المقيم في موسكو والخبير بالشؤون الروسية، حين سألته عن دوغين، بأنّ “أفكار دوغين ليس لها رواج في روسيا إلا في أطر محددة وضيقة، تكاد تقتصر على العسكر والأمن والجنرالات، وأن كتبه غير مرحّب بها في أوساط النخبة السياسية والفكرية في روسيا.. وقد التقيته مرتين، وقال لي إنه يجب إقامة تحالف تقوده روسيا وفيه الصين وإيران وتركيا ودولة عربية سنّية، لمجابهة التحالف الغربي”. واعتقد أن أكثر ما يميزه هو الشعبوية.

ذاتية طاغية

“هناك بوتين، وهناك الشعب، وهناك أنا، وبوتين يجد جوابًا لكلّ ما يهمّ الشعب، وأنا أحاول أن أضفي على هذه الصورة قياسًا فلسفيًا”. هكذا يرى دوغين ذاته ضمن مثلث، يشكل هو أحد أضلاعه ويشكل بوتين الضلع الآخر، ثم الشعب الروسي برمته يشكل الضلع الثالث! وهو ويردد “أنا جزء من اللوغوس”، ولا أعلم ما يقصده باللوغوس، فقد تعددت دلالاته عبر التاريخ، ولعله يقصد معنى ما قصده فيلون اليهودي أيّ القوة الصادرة عن الله، أو ما قصده العهد الجديد في إنجيل يوحنا (الكلمة): “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله”، والله في السماء هو الكلمة، وعلى الأرض هو يسوع المسيح.

ذاتية دوغين بدت متضخمة في اللقاء، إذ إنه يعتقد بسذاجة أن أفكاره قد ألهمت بوتين، ضابط الـ “كي جى بى”، مع أن التاريخ يعلّمنا أن الطاغية لا يأخذ أفكاره من أي منظر أو فيلسوف، لأنه قادر على اجتراح أساليب السيطرة المطلقة وحده، وقادر على الإبداع بها، ولولا هذه القدرة ما أمكنه أن يتسنم السلطة منفردًا. إن أيّ متسلط يتفوق على ميكافيلي بدرجة كبيرة، بل إن ميكافيلي قد اقتبس أفكاره من مراقبته لسلوك طغاة عصره، قبل أن يسطّرها في كتاب.

تناقضاته

أبرز تناقضات دوغين أن النظرية السياسية الرابعة التي يُروّج لها هي محض قشرة خالية من المحتوى، وهو يعرّفها بدلالة العداء للغرب، وهذا كل شيء، وهذا تعريف سلبي، ويقرّ بأن تصوره مبنيّ على غريزة، لا على أيّ شيء آخر، ويدعو للعودة للوراء. وهو بذلك لم يقدّم أي جديد، سوى تجديد الدعوة للعداء للغرب ولكلّ ما يمت إليه بِصلة، الغرب ككل. وقد بدَت أفكاره تتوجّه بحسب فهم متعصّب لمصالح روسيا، وهذا ما يجعله أداة دعاية لسياسة بوتين وأفعاله، لا فيلسوفًا صاحب أفكار ونظريات.

يؤيد دوغين الثورات ضد الأنظمة الموالية للغرب، ويرفضها إن كانت الأنظمة موالية لموسكو! وقد بدا من خلال اللقاءين كسياسي أكثر منه كمفكر. وهو يبني نظريته على العداء للغرب، والغرب أوروبي بالأساس، ويغمض عينيه عن حقيقة أن روسيا أوروبية، بمعنى أنها غربية، في كل شيء، في ثقافتها في نظامها الرأسمالي، في تنظيم عمرانها، في تنظيم إدارتها وجيشها وألبستها وآدابها وثقافتها.

وهو يعادي الرأسمالية، ولكنه يغمض عينيه عن أن النظام القائم في روسيا هو نظام رأسمالي خالص كامل الأوصاف، وما تختلف به رأسمالية روسيا عن رأسمالية الغرب هو أنها رأسمالية “مافيوية”، يسيطر عليها فساد قبيح مع فقدان الحريات وهيمنة الاستبداد على الحياة العامة، إنها رأسمالية غير منتجة إلى حد بعيد، فروسيا تستورد معظم ما تستهلكه من الخارج، كأي بلد من بلدان العالم الثالث، بالرغم من قدرتها العلمية، وذلك بسبب سوء إدارتها.

بينما ينكر دوغين وجود الفرد وحقوقه وحرياته إلا ضمن الجماعة ومن خلالها، نراه يمنح الفرد الحاكم كل شيء، فهو “إرادة الله” على الأرض، وهو بديل عن المؤسسة، وهو يرفض المؤسسات والسلطات وفصل السلطات والرقابة على السلطات، ويريد أن يجمعها في يد فرد واحد حاكم مطلق، له أن يفعل ما يريد، من دون أن يكون هناك حق لأحد في أن يسأله عمّا يفعل، وله أن يبقى في الحكم المدة التي يريد.

ونجده يعادي التدخل الإمبريالي لدول الغرب في شؤون الدول الأخرى، أما تدخل روسيا في بلدان أخرى، فيراه الفعل المشروع الصائب. فاليوم كازاخستان، وبالأمس سورية وما زال، وقبلها أوكرانيا وربما بعدها، وقبلها جورجيا، وغدًا بلدان أخرى تثور شعوبها وتجتذب بوتين للتدخل، فيرسل قواته وأسلحته، ويتبعها بمرتزقة (فاغنر) لتقوم بالأعمال القذرة التي لا يريد أن ينسبها إلى قواته الرسمية. 

ولكن الذي يتجاهله كلّ من دوغين وبوتين هو أن التدخل العسكري، هنا وهناك، إنما يستنزف طاقات روسيا وثرواتها، ويقطع حبال تواصلها التجاري والدبلوماسي والعلمي والثقافي ببقية العالم، مما يضعف روسيا أكثر مما هي ضعيفة، خاصة أن مستقبل روسيا مرهون بصادراتها من المواد الاولية، مثلها مثل أي بلد نام، ولن تطول السنين حتى يستطيع العلم تنمية الطاقات المتجددة، وخاصة طاقة الهيدروجين، لتدفع بأهمية النفط والغاز إلى الوراء، وتدفع بأسعارها نحو الهبوط، ودخلها الريعي نحو التقلص، مما سيقلص إيرادات ميزانية روسيا، وبقية البلدان المصدرة للنفط والغاز، ويوقعها في عجز، وسيصيب هذا روسيا في مقتل. 

لا يريد دوغين رؤية الأسباب القوية، من طغيان وفساد وفقر وخراب، التي تحرك حشودًا هائلة للمشاركة في الثورات، مستقبلة هراوات البوليس والغاز المسيل للدموع والاعتقال والرصاص المطاطي والرصاص الحي، فهو يرى أنها تتم بتحريك ودفع وتشجيع رأسمالي ليبيرالي، وهذه رؤية بوتين أيضًا!

يغيب عن بوتين ودوغين أن “الغرب” ينصب فخاخًا لروسيا، كي تتدخل في دول أخرى، وقد يفسر هذا سلوك أميركا وأوروبا تجاه تدخلات روسيا قي سورية؛ فالغرب لم يسمح بحسم الصراع لصالح أي طرف في سورية حتى 2015، بانتظار تورط روسيا وتورط إيران أكثر، ثم جاء تورط روسيا العسكري المباشر في نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، وقد يبدو أن غاية الضغط الكبير على قوات النظام والتهديد بسقوطه، على يد فصائل من المعارضة مع فصائل جبهة النصرة (وقد كانت الفصيل الأبرز والأقوى)، كانت اجتذابَ روسيا للتدخل عسكريًا، حيث تدخل بوتين بموافقة أميركية، وغرق في سورية، وهو غارق في أوكرانيا، وغارق في ليبيا جزئيًا، وها هو يتدخل في كازاخستان اليوم.

إن أفكار دوغين تسهّل انزلاق بوتين نحو الأفخاخ التي ترسمها له البلدان الرأسمالية الليبرالية الديمقراطية التي يعاديها عداء تناحريًا صفريًا، لا مكان فيه للمصالحة.

شعبوية يمينية ودعوة للتطرف

يعبّر دوغين عن تيّار روسي يميني شعبوي متطرف، وهو النموذج الروسي للشعبوية اليمينية الصاعدة في العالم، المعتمدة على التنظير للاستبداد وشعاراتية تهييج المشاعر، عبر لغو فارغ وتنظير للاستبداد وفكر رجعي ورفض للمجتمع الحديث، والعودة للماضي إلى التقاليد والدولة الدينية من أجل التخلص من الاستعمار. ويكرر دعوته لعودة روسيا للقيصرية وللروح المحافظة، وأن تكون الكنيسة هي المسيطر، وهو يؤيد الثيوقراطية، ويؤيد حكم البطريرك الروسي “كارل”، ليسير بروسيا حيث أراد في الطريق المسيحية المحافظة، وهو معجب أيضًا بترامب، وأنصار ترامب معجبون بأفكاره. وهذه مجمل الأفكار التي عرضها دوغين في اللقاءين التلفزيونيين.

إنه لمن المؤسف حقًا أن يربط دوغين مصير روسيا بفرد واحد، يجلس على مقعد السلطة الوحيد بصلاحيات مطلقة لا يشاركه فيها أحد، ولا يحاسَب عمّا يفعل. ومع ذلك فإن دوغين يرى أن مصير روسيا سيكون مجهولًا بعد بوتين، وأن الروس سيصبحون يتامى من بعده!! ويرى أن الوضع في روسيا هشّ، لأنه يرتبط بالشخص الذي سيعقب بوتين، وهذا ما يجعل مستقبل روسيا مجهولًا، إذ إنه لا يعرف مَن سيخلف الجالس على الكرسي الآن، ولا يعرف توجهاته ولا توجهات روسيا، خاصة أن ذاك القادم الجديد سيكون له أيضًا كامل الحق في فعل ما يريد، وقيادة روسيا إلى حيث يريد، حيث لا مؤسسات ولا قانون ولا رقابة ولا محاسبة. وبالرغم من إقرار دوغين بأن وضع روسيا بحاكم مطلق يبقى وضعًا هشًا، فهو يدعو للحفاظ على هذه الهشاشة!! ويعترف أن هذا وضع هزليّ، لأن كل شيء يتوقف على فرد، لكنه لا يدعو إلى تغيير هذا الواقع الهش والهزلي، بل يدعو إلى تكريسه!! أي إنه يقامر بمصير بلد كبير وشعب عظيم. إنها رؤية بائسة وكارثية، إن كانت هي ما يقود روسيا.

ومن المؤسف كذلك أن يكون دوغين منظّر روسيا، وأن يكون بوتين حاكمَها، والمصيبة الأكبر، بالنسبة لنا نحن السوريين، أن روسيا بوتين هي اليومَ اللاعب الرئيس بمصير سورية وشعبها.

مقال منشور في موقع حرمون للدراسات المعاصرة

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: