بعض من تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- هل تشعر بالندم؟
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

بعض من تجربتي في الحزب الشيوعي السوري- هل تشعر بالندم؟

مشاركةFacebookX

يسألني البعض:بعد هذه التجربة، هل أنت نادم على انتمائك السابق للحزب الشيوعي”؟

ليت الجواب على هذا السؤال يكون سهلًا!، إذ يمكن أن يكون جوابً بطوليًا يلقى صدىً عميقًا عند البعض كأن أقول، “أبدًا، لست بنادم، وإنني جاهز لأكرر ما فعلته”… أو أن يكون الجواب على النقيض من ذلك، ويلقى ترحيب من البعض الآخر كأن أقول “بل إنني أشعر بالخجل من نفسي بأني بقيت عضوًا في حزبٍ قَبِلَ/ رضي بأن تُنتهك كرامته بتلك الطريقة، حين قبل الدخول في الجبهة الوطنية التقدمية بشروط حافظ أسد المذلة”. ولكني أعتقد أن الجوابين الأول والثاني ساذجان. أو يمكن أن يكون الجواب أكثر واقعية كأن أقول: “لست بنادم، ولست براضٍ، فحين أنظر للماضي، أقول، ليتني اتخذت موقفًا آخر تجاه تلك القضية، أو لو فعلت شيئًا آخر في ذاك اليوم”، أو أن يكون الجواب خياليًا، كأن أقول: “لو أتيح لي أن أعيد حياتي وأنا أملك تجربتي وعقلي الحالي، لفعلت أشياء كثيرة بطريقة أخرى”،

ولكن أي كان الجواب، فليس من المنطق أن نحاكم الماضي بعقل الحاضر. وهنا استذكر ثمة قول: “من أطلق رصاصه على الماضي، أطلق المستقبل رصاصه عليه”، فالانتماء للحزب كان بدافع المشاركة في فعل عام للصالح العام، شيء كبير على مستوى العالم.

وأقول أيضًا: لو كُتب لي أن أعيشَ حياة ثانية، وكانت الحريات العامة في التنظيم والتعبير مصانة، لكنتُ صديقًا للحزب الشيوعي برهة، وللناصريين برهة، وللاشتراكيين العرب برهة، وللقوميين السوريين برهة، ولرابطة العمل الشيوعي برهة، ولتعرفت على الأخوان المسلمين، وكنت سأقرأ لماركس ولألتوسير وهنري لوفيفر وتروتسكي، وأقرأ لريكاردو وآدم سميث وجان باتيست ساي وكينز وشومبيتر ومذكرات خالد العظم وكتب عن تشكل الدولة السورية وغيرها، ولسعَيت لأن أكون في كلّ مرة قريبًا من كل تنظيم وكل فكر، لأتعرف على أفكار كل حزب وتنظيمه وأهدافه وسياساته وبرامجه، ثم أقرّر لأي منها سأنتمي. وربما من يفعل ذلك لن يكون من السهل عليه بعدها الانتماء إلى أيّ حزب.

ولكن في ظروف الاستبداد العسكري الذي بدأ مع الوحدة السورية المصرية في شباط 1958، ثم عاد مع انقلاب 8 آذار 1963، بعد فترة الانفصال القصيرة بين أيلول 1961 و آذار 1963، ومصادرة الحياة السياسية والحريات العامة، وتطبيق مبدأ “كلّ من هو ليس معنا فهو عدوّنا بالتأكيد وتجب معاقبته” بالسجن لسنوات وسنوات، سيكون الموقف المعارض للسلطة وتحديها بنشاط، سيكون موقفًا بطوليًا ومغامرًا في ذات الوقت.

لكن التاريخ لا يسير بحسب ال “لو”، فمن ذرع “ال “لو”، حَصَدَ الريح”. فما جرى جرى، وعانت سوريا وشعبها من استبداد عسكري، ومازال حتى اليوم، واليوم الوضع أسوأ بألف مرة بالنسبة للسوريين داخل سوريا وفي بلدان اللجوء المجاورة.

ثمة سؤال وجيه آخر وهو، إن كان لك هذا الموقف النقدي من الحزب وسياساته منذ انضمامه للجبهة 1973، فلماذا استمريت عضوًا فيه، وسُرِحتَ من عملك في الإسكان العسكري سنة 1985 بسببه، وبقيت على علاقة ما بالحزب حتى 1999؟

هذا صحيح، ففي الواقع السوري، كما نعلم جميعًا، وتحت ظلال الاستبداد، أمام المواطن السوري الناشط سياسيًا ثلاث احتمالات، إما أن ينضم لحزب البعث او لأحد أحزاب الجبهة، إن لم يكن يحب البعث، او أن يبتعد عن السياسة ويجلس في بيته، أو ان يستمر معارضًا فيدخل السجن، وهذا كان مصير أعضاء جناح رياض الترك ومصير أعضاء حزب رابطة العمل الشيوعي وحزب البعث الديمقراطي وغيرهم ممن عارضو النظام بالكلمة. نعم من أجل كلمة وضعوا في السجون لعقد وعقدين. وأنا كنت عضوًا في الحزب قبل الجبهة، وكان موقف السوفييت عاملًا حاسمًا حينها في تحديد موقفي وموقف كثيرين، فلم أذهب مع تنظيم رياض الترك، ولم أرغب بالجلوس في البيت، وبقيت في الحزب الذي أصبح بالنسبة إليّ أشبه بنادٍ للكلام مع رفاق صاروا أصدقاء، تجمعني بهم صداقات وطيدة، في دولةٍ يحكمها الاستبداد وليس ثمة متنفّس آخر.

لكن ما أسفت عليه، ولا قيمة للأسف الآن، أنني أضعت في الماضي عشرات آلاف الساعات أمضيتها في اجتماعات وفي سهرات يومية، أمضيتها في جدالات يومية مكررة حتى التلف دون أي قيمة مضافة، نقاشات مكررة حول الحزب والجبهة والبعث وغيرها تتحول الى نوع من “النق” وليس التحليل، إذ كنّا نعوّض العجز عن الفعل بكثرة الكلام. وكم كان حريًّا بي أن أملأ تلك الأوقات بقراءات مفيدة أو تجارب أخرى غنية.

وبالرغم من تلك القطيعة، ما زال رفاقي السابقون قريبين من قلبي، وحاضرين في ذاكرتي؛ فمنهم كانت بعض أفضل صداقاتي، خاصة صداقات مقاعد الدراسة وأيام الشباب، ولكن بعضهم ما زال ينتمي إلى أحد أقسام الحزب الشيوعي الذي تشظى، وأنا أحسدُهم على قدرتهم على الصبر وعلى مداراة قناعاتهم بأن روسيا بوتين ما زالت صديقة الشعوب.

وجوابي على السؤال الآخر: أين انت اليوم؟

ما زلت أنتمي إلى اليسار وسأبقى، وما زلت أتبنّى الفكر اليساري في التحليل المادي للتاريخ، وأتبنى تحليل ماركس ومن تلاه للرأسمالية، وسأبقى اعتقد، وعن وعي أكبر، أن هدف تحقيق عدالة اجتماعية أفضل في كافة مجتمعاتنا هو غاية لا محيد عنها، وتحقيق مجتمع ديمقراطي سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، واقتصاديًا لا يمكن أن تحيد عن أعيننا، خاصة ونحن نرى أن عدد أقل بكثير من أفراد باتوا يتحكمون بأجزاء هائلة من الدخل والثروة، بل باتوا يتحكمون بحياتنا ويصوغونها وفق مصالحهم وأهوائهم. وسأبقى أتبنى المبادئ اليسارية في البناء الاجتماعي وحقوق الإنسان والحريات العامة والعدالة الاجتماعية،

لقد وضع المفكّرون الأوائل اللبنات الأولى فقط في البناء النظري، وهي قابلة للتعديل المستمر، وقد جاءت عقول عظيمة قدّمت إضافات كثيرة، فالحياة متجددة وتحتاج إلى الجديد دومًا، كما قدّم تاريخ العالم الحديث تجارب عملية عديدة فيها الكثير من الخبرة والفائدة لبناء المستقبل، بنجاحاتها وإخفاقاتها، وتشمل هذه التجارب تجربة المعسكر الشرقي السابقة، وتجارب الاجتماعية الديمقراطية في أوروبا الغربية، وتجارب دول أخرى في العالم الثالث. وما زال العالم يحتاج إلى بناء نظام اقتصادي اجتماعي جديد، يجمع بين القدرة الإنتاجية العالية من أجل تلبية احتياجات البشر، وبين التوزيع العادل للدخل والثروة، وإلى تشكيل مجتمع ديمقراطي شامل، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يكون بعيدًا عن النموذج السوفيتي الشمولي الذي صادر السياسة وحريات الناس وكراماتهم، فالحياة كرامة أولًا، وليست مجرد طعام وشراب ومكان للنوم.

وما زال اليسار في العالم يحتاج إلى تنظير جديد، كي لا تكون الليبرالية المتطرفة التي تمنح رأس المال كلّ المزايا على حساب قوة العمل، ولا المحافظة الجديدة المتوحشة (new conservative)، البديلَ الوحيد أمامَ الإنسان. وما زال اليسار ينتظر انطلاق تيار واسع يفتح الحوارات ويقيم التجارب الصغيرة لإنضاج بديل يخلق تأثيره في حركة الواقع.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: