الولايات المتحدة الراكب المجاني

الولايات المتحدة الراكب المجاني

مشاركةFacebookX

استخدم الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، في حملته الانتخابية تعبير الراكبون المجانيون (Free Riders). وتستخدم هذه العبارة في الغرب بمعنى سلبي، وتطلق على من يستخدمون المواصلات العامة بدون تذاكر ركوب. وقد قصد ترامب بقوله هذا المستفيدين من خدمات الولايات المتحدة (حمايتها)، من دون أن يدفعوا شيئاً، وقد وجه كلاماً قاسياً وغير لائق ضد الكويت، قائلاً إن الولايات المتحدة حرّرت الكويت من احتلال صدام حسين ولم تقبض شيئاً في المقابل، بينما كان عليها أن تدفع نصف قيمة منتجاتها من النفط خمسين سنة، أو ربما بشكل دائم. كما هدّد السعودية بأنه إذا تم انتخابه قد يوقف واردات النفط منها، ومن دول عربية أخرى، إذا لم تشارك بقوات برية لمحاربة “داعش”، أو على الأقل دفع بدل مادي للولايات المتحدة في مقابل جهود محاربة الجماعة الإرهابية. كما وجه انتقاداً لكوريا واليابان، كون الولايات المتحدة تقدم لهما حمايةً منذ زمن طويل من أي تهديداتٍ سوفييتية سابقةٍ وصينية حالية، من دون أن تقبض في المقابل.
وبالطبع، لن نقول إن ترامب جاهل لا يعلم الحقيقة، لكنه ببساطة يعلم و يكذب ليستخدم اللغة التي يجتذب بها ناخبين محافظين، فهو يعلم أن الولايات المتحدة قبضت تكاليف حرب تحرير الكويت، وهي تقبض اليوم تكاليف مشاركتها في الحملة الدولية ضد “داعش”. لكن، دعونا نسأل عمن هو الراكب المجاني فعلاً؟
للجواب، دخلت مساء 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 على موقع ساعة/ عدّاد ديون الولايات المتحدة الذي يتزايد باستمرار، فكانت الأرقام في لحظة محدّدة كالتالي:
بلغ حجم الديون الأميركية الفيدرالية أكثر من 19.9 تريليون دولار، بينما بلغت قيمة الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة 18.7 تريليون دولار، أي أن مديونيتها بلغت 106% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهذه من أعلى معدلات الدين في العالم، وتشبه دول العالم الثالث الفقيرة. وكانت حصة كل فرد أميركي من هذا الدين نحو 61.2 ألف دولار. فأميركا تستدين 

“تمتلك الولايات المتحدة اقتصاداً ديناميكياً قوياً، وتعتمد قوته على قدرتها العلمية والتكنولوجية العالية جداً”

ويتعاظم دينها منذ 1960 من دون أن تسدّد شيئاً من هذا الدين. وعلى دول العالم أن تستمر بإقراضها المال، فالخزينة الأميركية تُصدِرْ سندات خزينة غير قابلة للتسديد عملياً، لتشتريها الدول الأخرى بالمال. وعلى شعوب العالم أن تدّخر ولا تنفق كثيراً، لكي تقدّم مدخراتها على شكل ديون للولايات المتحدة كي تنفقها، والمعروف أن شعوب الصين واليابان والهند من أكثر شعوب العالم ادّخاراً. لذا، هي أكبر المقرضين للشعب الأميركي لكي ينفق على ترفه. وتعد الصين اليوم أكبر دائن للولايات المتحدة، وبلغت ديونها في نهاية شهر مارس/ آذار 1.244 تريليون دولار، تليها اليابان في المركز الثاني بقيمة استثمارات تبلغ 1.137 تريليون دولار، أما دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، عمان، قطر، البحرين) مجتمعة فتحمل سندات خزانة أميركية قيمتها 231.1 مليار دولار. حتى الهند الفقيرة تشتري سندات خزينة، وقد بلغت ديونها على الولايات المتحدة أكثر من 50 مليار دولار على شكل سندات خزينة. وبالطبع، لا تشمل هذه الديون الفيدرالية الاستثمارات في الاقتصاد الأميركي أو الإيداعات الأجنبية في بنوكها.
لأن الصينيين واليابانيين والهنود يدّخرون كثيراً، ولا ينفقون الكثير، فهم ينتجون أكثر مما يستهلكون. وبالتالي، يصدرون أكثر مما يستوردون، محققين الفائض الذي يقرضونه للولايات المتحدة، أما الأميركيون فهم ينفقون كثيراً، ويدّخرون قليلاً، ويستوردون أكثر مما يصدّرون. ووفقاً لتقرير مكتب الإحصاءات الأميركي، بلغ عجز الميزان التجاري الأميركي لعام 2015 نحو 735 مليار دولار، حيث صدرت نحو 1.5 تريليون دولار، بينما تجاوزت وارداتها 2.2 تريليون دولار. وعلى الرغم من هذا الوضع، يعد الاقتصاد الأميركي اقتصاداً قوياً وموثوقاً.
المسألة الثانية ذات الطابع الطفيلي هي كون الدولار الأميركي عملة عالمية، فالعالم يحتاج إلى عملة صعبة، من أجل إجراء الصفقات، ومن أجل توظيفات الشركات ومدّخرات الأفراد، ومن 

“قوة الولايات المتحدة العسكرية وجيشها هما بالذات ما يمنحها كل هذا الدور الذي تحصد من ورائه كل هذه المنافع”

أجل تشكيل احتياطيات البنوك المركزية وغيرها. ومن قديمٍ، كان الذهب يلعب هذا الدور، وكان يحمل قيمته بذاته، ولا يخص أي دولة، وعندما صدرت النقود الورقية كانت تعد صكوكاً على البنوك المركزية مغطاةً بالذهب. وكان على البنوك أن تقدم الذهب لحاملها في حال طلب ذلك، وبعد الحرب العالمية الثانية، فرض الدولار الأميركي نفسه عملة ورقية عالمية، بينما تراجعت العملات العالمية الأخرى، والدولار هو عملة وطنية أميركية تملك الولايات المتحدة وحدها حق طباعته وتقديمه للعالم بالكميات التي تريدها، ولا تزيد كلفة طباعة ورقة الدولار أو المائة دولار عن خمسة سنتات تقدمها للعالم، وتقبض مقابلها سلعاً وخدمات بقيمة كامل الورقة النقدية. وقد كان الدولار مغطى بالذهب بمعدل 35 دولاراً مقابل أوقية واحدة من الذهب، ومع تزايد الطلب على الدولار، وعجز الولايات المتحدة عن تأمين ما يكفي من التغطية الذهبية، أعلنت سنة 1971 بقرار من الرئيس نيكسون عن فك ارتباط الدولار بالذهب، ولم تعد الولايات المتحدة تلزم نفسها بتقديم أي ذهبٍ لقاء عملتها، وما يضمن قيمة عملتها هو الثقة باقتصادها. لكن الثقة تتولد من استمرار الطلب على الدولار. من هنا، أبرمت الولايات المتحدة سنة 1973 صفقة مع السعودية لتسعير البترول، وبيعه بالدولار فقط، وقد تبعتها بقية الدول المصدرة للنفط بضغط من الولايات المتحدة، ما رفع الطلب على الدولار بأرقام كبيرة وقلص الطلب على العملات العالمية الأخرى، مثل الجنيه الإستراليني والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والفرنك السويسري والين الياباني، وكانت كلها عملات عالمية صعبة، وقد أوجد هذا فرصةً كبيرةً لإثراء الولايات المتحدة. وقد وصف الرئيس الفرنسي ديغول طباعة الولايات المتحدة الدولار من دون غطاء ذهبي، بأنه “سرقة مكشوفة”.
تدافع الولايات المتحدة اليوم بقوة عن استمرار تسعير النفط والغاز وبقية المعادن من حديد ونحاس وألمنيوم ونيكل وغيرها، وكذلك بورصات القمح والسكر وغيرها من المحاصيل بالدولار الأميركي، وأن يبقى الدولار العملة الرئيسية في تشكيل الاحتياطيات الأجنبية للبنوك المركزية، وأن تبقى عملات عدد من دول العالم مرتبطة بالدولار، مثل عملات دول مجلس التعاون الخليجي، كل هذا يوجِد طلباً كبيراً على الدولار، وتقوم الولايات المتحدة بإصدار (طباعة) ما يغطي الطلب بتكلفةٍ زهيدة، بينما تقبض هي الفارق، مما يجعل اقتصادها قوياً، ولكن بطابع طفيلي في الوقت نفسه. ونعلم مدى دقة هذا الكلام، عندما تهدّد الولايات المتحدة أي دولة تسعى إلى أن تسعّر صادراتها من النفط بغير الدولار. وبالطبع، سعى الاتحاد الأوروبي إلى جعل اليورو عملةً عالميةً ثانية، منافسة للدولار، تحقق فوائد كبيرة للاتحاد الأوروبي، بقدر ما يتسع الطلب العالمي عليها. وقد حوّلت الصين عملتها الوطنية “اليوان” إلى عملة عالمية، وهي تسعى إلى توسيع الطلب عليه في السوق العالمية، لكي تحول مزيداً من مياه الاقتصاد العالمي إلى طواحينها.
تمتلك الولايات المتحدة اقتصاداً ديناميكياً قوياً، وتعتمد قوته على قدرتها العلمية والتكنولوجية العالية جداً، فهي تتربع على قمة التكنولوجيا العالمية، وتمنحها هذه القدرة تفوقاً في صناعة الأسلحة، وبناء جيش قوي وتخصيص أعلى ميزانية عسكرية في العالم، بلغت في العام 2016 نحو 617 مليار دولار، كما بلغت مبيعات الولايات المتحدة من الأسلحة نحو 45 مليار دولار سنة 2015، بينما بلغت ميزانية الصين العسكرية 192.8 مليار دولار وروسيا 49.15 مليار دولار للعام نفسه.
قوة الولايات المتحدة العسكرية وجيشها هما بالذات ما يمنحها كل هذا الدور الذي تحصد من ورائه كل هذه المنافع. .. فمن هو الراكب المجاني؟

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: