الوجهُ الأخر لتجربتي، صورة الحزب المثالية تتصدع
سمير سعيفان - الحزب الشيوعي السوري
تجربة سمير سعيفان مع الحزب الشيوعي السوري

الوجهُ الأخر لتجربتي، صورة الحزب المثالية تتصدع

مشاركةFacebookX

بمناسبة بلوغي الثانية والسبعين من عمري، إذ ولدت خلال شهر شباط سنة 1951، حسب ما أخبرتني جدتي، ولا أعرف كم بقي منه، ولكنه ليس بالكثير، أودّ أن أستجيب لطلب عدد من الأصدقاء، فأتحدث عن تجربتي في الحزب الشيوعي السوري. وكانت حجّتهم التي أقنعتني أن مناقشة تجربة جيلنا الذي كانت السياسة جزءًا من حياته واهتماماته، سواء أنتسبَ إلى حزب أم لا، ستكون مفيدة للأجيال الجديدة التي هجرت السياسة وباتت تنظر إليها باستخفاف أو حتى بعداء.

سمير سعيفان

 1/8 الوجه الأول لتجربتي في الحزب الشيوعي

2/8 الوجهُ الأخر لتجربتي، صورة الحزب المثالية تتصدع

بدأت صورة الحزب المثالية تتصدع بعد خروج خلافات الحزب بعد المؤتمر الثالث عام 1969 إلى العلن، وبروز كتلتين، الأولى يقودها خالد بكداش ويوسف فيصل، وكان توجّهها سوفيتيًا ويتهمون الجناح الآخر بالتحريفية؛ والأخرى يقودها دانيال نعمة وظهير عبد الصمد وإبراهيم بكري ومعهم رياض الترك، وكانت تتهم بكداش بأنه دكتاتور، وبأنه لا يحترم قواعد العمل الحزبي، وكان توجّهها قوميًا عروبيًا نوعًا ما، مع ميل للاستقلال عن السوفييت. وجاء انشقاق الحزب بعد أن أصدر خالد بكداش بيان 3 نيسان 1972. وكنت أميل إلى أفكار المكتب السياسي، وقد وقفت مع جماعة المكتب السياسي، حين أعلن حافظ أسد انقلابه في 16 تشرين الثاني 1970، وكنت في بداية سنتي الجامعية الأولى في كلية الاقتصاد في جامعة حلب، لكني بعد موقف الرفاق السوفييت وموقف منظمة السقيلبية التي أنتمي إليها إلى جانب جناح خالد بكداش، حسمت موقفي، وانضممت إلى جماعة بكداش – فيصل. وأعترف بأنه لم يكن لي إرادة ذاتية واعية مستقلة، وبقيت في الحزب. وكانت أيامي في جامعة حلب، بين خريف 1970 وصيف 1974، تدور حول الحزب ومشاغله أكثر مما تدور حول دراستي الجامعية.

ثم تزعزع إيماني بقوة أكبر بعد توقيع “ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية” سنة 1972، حيث وقّع الحزب على حلّ نفسه عمليًا، حين قبل شروط حافظ أسد، بأن يكون الحزب الشيوعي تحت قيادة حزب البعث، وأن يوقف تنظيمه في صفوف الطلاب والجيش، ولم يُمنح للحزب ترخيصٌ، ولم يُسمح له أن يفتح مقراته رسميًا، ولا أن يكون له الحق في القيام بنشاطات وإصدار جريدة ونشرات علنية وعقد لقاءات، وندوات ومؤتمرات علنية وغيرها. لقد كان التوقيع على ميثاق الجبهة توقيعًا على موت الحزب وتبديلًا لطبيعته، فلم يعد حزبًا بالأصل، بل تحول إلى قطعة ديكور في سلطة حافظ أسد. لقد سلب ذاك الميثاق كرامة الحزب، وكرامة كلّ شيوعي، وكرامتي كعضو فيه. وفي سنة 1973، كتبت طلب انسحاب من الحزب، ولكني تراجعت عن ذلك، لأن موقف الرفاق السوفييت كان مع الانضمام للجبهة الوطنية التقدمية، ومع تأييد انقلاب حافظ أسد. والرفاق السوفييت قالوا لخالد بكداش: “ادعم حافظ أسد وسلطته”، فسلطة البعث كانت -في قاموس موسكو- سلطة “ديمقراطيين ثوريين”، ولا أعلم من أين جاؤوا بهذا المصطلح! وقالوا له: “اقبل بشروط الأسد، وادخل الجبهة”، فَقَبِلَ وامتثل لهم. ويتردد أن حافظ أسد استشار السوفييت بأكثر من طريق وإحداها عن طريق خالد بكداش، قبل أن يقوم بانقلابه في تشرين الثاني 1970، وكان السوفييت يرون فيه شخصًا أقلّ تطرفًا من صلاح جديد المغامر.

في سنة 1986، حدث الانشقاق الثاني في الحزب الشيوعي، بين تيار خالد بكداش وتيار يوسف فيصل، فكانت هذه مهزلة ثانية. ولكني تابعت مع مجموعة يوسف فيصل، فقد كان لدى هذا الجناح نخبة من الكوادر المثقفة.

طيلة سنوات النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين كان موضوع “البيروسترويكا”، أو إعادة البناء، و “الغلاسنوست” أو الشفافية التي بدأت في الاتحاد السوفيتي، والتي أطلقها المؤتمر ال 25 للحزب الشيوعي السوفيتي (1985) والتي انتخب فيها غورباتشوف أمينًا عامًا للحزب الشيوعي السوفيتي. ولا مجال للدخول في موضوعات البيروسترويكا الكثيرة، ولكنها أطلقت نقاشات واسعة في مجمل الحركة الشيوعية العالمية، وقد تحمست أنا لها من جملة من تحمسوا، معتقدين أنها ستخرج التجربة الاشتراكية من عنق الزجاجة. ولكن للأسف اختنقت البيروسترويكا، وانهار الاتحاد السوفيتي، وانهارت كتلته الشرقية دفعة واحدة. واندفع الغرب ليتشفى من روسيا التي ترأسها شخصية كاريكاتيرية هزيلة “بوريس يلتسين” فأمعن في نهبها وحصارها واستمر العداء الغربي لها، فلم ترحب أوروبا وأمريكا بروسيا، بل استمروا في معاملتها كعدو، أو كمنافس محتمل فيما لو نجح، خاصة وأنه يملك قدرات علمية وتكنولوجية عظيمة وثروات هائلة، ولكن يفتقد للعقل الإداري وينخره الفساد. فأرادوه أن يبقى ضعيفاً، وكان هذا أساس الشعور القومي الروسي الذي نما في تسعينيات القرن العشرين خلال رئاسة يلتسين، ليأتي بوتين ويحصد ثمار هذا التعصب القومي عندما صنع من نفسه زعيمًا قوميًا يريد أن يعيد لروسيا مجدها. ولكنه يفعل ذلك بالطريقة السوفيتية الفظة.

كانت الأحزاب الشيوعية التي تدور في فلك موسكو تحكمها عقلية السلطة، وتتصرف بمسؤولية الحزب الحاكم، ولمَ لا؟ فهي جزءٌ من فيلق تقوده السلطة السوفيتية الحاكمة، وبالتالي هم جزء من سلطة ما، وكانت هذه العقلية تسم الحزب بطابع بيروقراطي أفقده حسّه الثوري، فكان حزبًا امتثاليًا اتباعيًا، وليس ثوريًا إبداعيًا، يقيم نظامًا بيروقراطيًا للامتثال والطاعة. كان يعدّ ذاته كتيبة طرفية في جيش عظيم مقرّه موسكو، فإن خسرت كتيبة طرفية، في سبيل خدمة الجيش العظيم ومصلحته، فلا بأس، وكانت سياسات الحزب على الصعيد الوطني تهتدي بتعليمات موسكو ومصالحها، وإن كان ذلك على حساب مكانة الحزب ودوره على الصعيد الوطني. والمثال المعروف هو موقف الحزب الشيوعي الذي أيّد قرار التقسيم الذي يعترف بإسرائيل، مما ألحق بالحزب أكبر الأذى، ثم الموقف من نظام البعث ونظام الأسد والجبهة الوطنية التقدمية وغيرها. “فإن كان الانتساب إلى الجبهة وقبول شروط حافظ أسد يخدم موسكو، فلا بأس، فموسكو هي القائدة، وهي من يقود المعركة الكبرى ضد الإمبريالية، وانتصار موسكو هو ما سيؤدي إلى قلب النظام الرأسمالي”.. هكذا كانت تُشكّل القناعات.

وحسب التنظيرات السوفيتية، كانت هناك ثلاث قوى تتحّد عالميًا لمواجهة الإمبريالية، وهي: الحركة الشيوعية العالمية التي تقودها موسكو، والحركة الرديفة وهي الحركة النقابية العمالية في البلدان الرأسمالية، فقد كانت في أوج قوتها بعد الحرب العالمية الثانية، ثم حركة التحرر الوطني في العالم الثالث. وكانت موسكو تسمّي قوًى -مثل البعث وعبد الناصر والنظام الجزائري والقذافي وما يشبهها في العالم- بقوى “الديمقراطيين الثوريين”، أي “البورجوازية الصغيرة”، وكانت موسكو تعتبر ذاتها هي القائد لهذا المثلث. وطوّرت مصطلح “طريق التطور اللارأسمالي”، حيث يمكن لبلدان العالم الثالث، التي لم تصل إلى مرحلة الرأسمالية، أن تقفز فوق مرحلة الرأسمالية، وتدخل إلى مرحلة الاشتراكية مباشرة، بقيادة “الديمقراطيين الثوريين”. وكانت موسكو تنطلق في ذلك من مصالحها كقوة مركزيه تواجه عدوًا إمبرياليًا شرسًا، وتريد أن تكسب قوى إلى جانبها عبر العالم، وكانت تتجه نحو الاعتماد على هذه القوى التي تقفز إلى السلطة بانقلاب عسكري، ما دامت فرصة الأحزاب الشيوعية للوصول إلى السلطة في تلك البلدان أمرًا بعيدًا. وكانت مصالح موسكو والمعركة العالمية الكبرى تتقدّم على مصالح الأحزاب الشيوعية المحلية. ووصل الأمر، أيام الرئيس السوفيتي “خروشوف”، إلى الدعوة لحل الأحزاب الشيوعية في تلك البلدان، والانتساب إلى أحزاب الديمقراطية الثورية الحاكمة، وقد حلّ الحزب الشيوعي المصري ذاته، ثم أعيد تشكيله بعد أن ألحق أذًى كبيرًا بنفسه، بسبب الحل.

عندما ذهبت إلى ألمانيا الشرقية، في 15 أيلول سنة 1985، لمتابعة دراستي، فمن جهة كنت اتمعن بإعجاب في واقع دولة وثقافة أوروبية، وشكل تنظيم حياتهم وعملهم وثقافتهم، ولكن من الناحية السياسية فتحت عيني على حقيقة أن ما كنت ارفضه في سورية رأيتُه في ألمانيا الديمقراطية، ولكن بتنظيم أفضل، وكانت ألمانيا الديمقراطية أفضل ما في الكتلة السوفيتية، حيث كان جهاز أمن الدولة “Staat Sicherheit” الذي يعرف اختصارًا بـ “شتازي”، يسيطر على عقول الناس، وكان الانتماء إلى الحزب مطيِّةً للترقّي الوظيفي والأكاديمي، وذكّرتني مصادرةُ العمل السياسي والنقابي والمجتمع المدني، وتكميم الأفواه، والانتخابات مسبقة الصنع، والجيش العقائدي، والحزب القائد الذي يقود تحالفًا فيه أحزاب أخرى هزيلة لا دور لها، وهو شبيه بالدور الهزيل للحزب الشيوعي السوري؛ وعرفت حينذاك أن مصدر تنظيم الدولة في سورية قد جاء من المعسكر الشرقي، فسألت نفسي: “لماذا أرفض كلّ هذا التنظيم السياسي الاستبدادي في سورية، وأقبله في ألمانيا”! رغم أن ألمانيا الديمقراطية آنذاك كانت أفضل تنظيمًا من بقية الدول الاشتراكية وخالية من الفساد.!

وإذا كان لي أن أقول كلمة عن تجربة ألمانيا الديمقراطية، كمثال عن الدول الاشتراكية، فسأقول إن تلك الدولة حققت لجميع مواطنيها أمانًا كبيرًا، إلى حدٍّ يدفع إلى الكسل. فالطبابة مؤمّنة للجميع، وكذلك التعليم بجميع مراحله، وكذلك العمل فهو مؤمن ومحدد منذ إنهاء مرحلة التعليم ما قبل الجامعي أو الجامعي، وغياب سيف التسريح من العمل، وتطبق مساواة ميكانيكية إلى حد بعيد بين من يعمل ومن لا يعمل، وانعدام المنافسة، والسكن مؤمّن للجميع، وثمة طعام كاف ولباس كاف لائق للجميع، وثمة ثقافة ورياضة وترفيه في متناول الجميع، وكان جميع مواطنيها يذهبون في عطلة شتوية وأخرى صيفية، إلى منتجع في ألمانيا أو أوروبا الشرقية. وأذكر أنه بعد سقوط جدار برلين وعودة ألمانيا الشرقية إلى حضن ألمانيا الغربية، قالت إحدى الألمانيات الشرقيات، لمجلة (ديرشبيغل): “أيام ألمانيا الشرقية، كانت لدينا القدرة المادية لزيارة الغرب، ولكن لم يكن يُسمح لنا، أما الآن فلا شيء يمنعنا، ولكننا لم نعد نملك تلك القدرة

رغم الشيطنة التي قام بها الغرب لتجارب الدول الاشتراكية، فإن لتلك التجارب قيمة كبيرة في جوانب كثيرة على طريق سعي البشرية لإقامة نظام اجتماعي منتج وعادل. وأنا أعلم أن الكثير من جوانبها السلبية هي نتيجة الحصار والمقاطعة التي فرضها عليها الغرب بنظامه الرأسمالي، والذي يمتلك قدرات كبيرة جدًا ويسيطر على مقدرات العالم، فدفعها نحو الانغلاق خوفًا من التأثير، ومن المعروف أن هذا الأمر يُلحق ضررًا كبيرًا بالبلد المغلق، وقد أضيف إليها أمراض أخرى ذاتية، يضيق المجال هنا عن الاستطراد في صورها وأشكالها وأسبابها، لكني أودّ أن أعرّج على موضوع مفصليّ في تجربة البلدان الاشتراكية والمناخ العام السائد فيها؛ فثمة قناعة لدي أنه لو فتحت الأنظمة الاشتراكية الشرقية المجال أمام حركة مجتمعاتها، وتركت فسحة للنشاط الاقتصادي الفردي، وتركت الحدود مفتوحة مع الغرب الذي يمتلك قدرات كبيرة، وأدوات التأثير الغربية؛ لخسرت تلك الأحزاب السلطة. ولكني أقدّر أن هذا، لو حدث، كان سيخدم قضية الاشتراكية على المدى البعيد بشكل أفضل، لأن صناديق الاقتراع ستعود بها، ولكن هذا النهج يعني تخلي الزعامات عن أنانيتهم من أجل مصالح شعوبهم، وهذا ما لم يحدث. في حين قدّم الإغلاق طويل الأمد نموذجًا سلبيًا، وكرّسه في عقول شعوب العالم المتقدم، فيما يخص حرية الفرد وكرامته، فالمسألة ليست مجرد طعام وسكن، بل ثمة كرامة أيضًا.

ومن هناك من ألمانيا الشرقية بدأ السؤال في رأسي: كيف يمكن إقامة نظام سياسي اقتصادي اجتماعي يجمع بين مزايا اقتصاد السوق المنتج ومزايا النظام الاشتراكي في توزيع الدخل. وهو السؤال الذي مازال يشغل تفكيري وقد كتبت عنه ذلك مرات ومرات ولكني لم اذهب بعيدًا بالحد الكافي.

صيف 1988، وكنت في ألمانيا الشرقية حينها، حسمت أمري، وابتعدت عن الحزب، ولكني لم أبتعد كثيرًا عنه، فليس من السهل على المرء أن يتخلّص من دينه وديدنه اللذين أمضى فيهما عدة عقود، وبقيت علاقاتي المتشابكة مع الشيوعيين، وبقيت أقرأ نشراتهم، وأكتب وأنشر في منابرهم نصف الرسمية نصف السريّة، حيث لم يكن في سورية منابر أخرى ومتنفّس آخر. وذهبت أواخر سنة 1989 إلى ليبيا، وهناك تعرّفت على تجربة أخرى بائسة من تجارب “الديمقراطيين الثوريين”، هي تجربة الأخ معمر القذافي، كما كان لي تجربة بائسة أخرى بالعمل مع شركة مقاولات في ليبيا، تخصّ شكليًا الحزب الشيوعي اللبناني، وكان مديرها بهيج حاوي (أخو جورج حاوي)، وكان يديرها لحسابه وليس لحساب الحزب.

بعد عودتي من ليبيا إلى دمشق سنة 1995، عادت علاقتي بالحزب، ولكن لم يكن لي علاقة تنظيمية به، بل كنتُ أكتب وأنشر في جريدة نضال الشعب وفي مجلة دراسات اشتراكية، وكنت أساهم في المكتب الاقتصادي، واستمر ذلك حتى العام 1999، حيث وقع الطلاق بالثلاثة طلقة بائنة، فانقطعت أي علاقة لي بالحزب، من أي نوع كانت، حتى هذا اليوم.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: