الكرامة والطاقة التي تختزنها

الكرامة والطاقة التي تختزنها

مشاركةFacebookX

الكرامة والطاقة التي تختزنها

يذكرني ضيق الناس بالتقييد البسيط لحريتهم بسبب إجراءات كورونا، بالمعتقلات السورية وبمن دخلوها لسنوات وسنوات وصلت حتى ربع قرن لدى البعض، لا لسبب وجيه بل فقط بسبب الانتماء لحزب سياسي مجرد انتماء… وتحمل ظروف الاعتقال الفظيعة في السجون السورية.

وأتساءل:

– كيف استطاع هؤلاء السجناء احتمال كل هذه السنوات دون أن ينهاروا؟

– وما هي الصلابة المدهشة التي امتلكوها والعزيمة التي لا تلين؟

– ومن اين يستمدون تلك الطاقة ؟

ليست القناعة الفكرية الصلبة هي مصدرها، لأن عددًا كبيرًا منهم دخل شابًا ولم يقرأ من الفكر الذي ينتمي له سوى بضع كراريس ونشرات وربما بعض كتب لا تمده بزاد يكفيه للصمود لسنوات كثيرة في تلك الظروف المرعبة، بل إن كثيرين منهم ابتعدوا عن تنظيمهم وعن السياسة بعد خروجهم من السجن، و كثيرون غيروا افكارهم وقناعاتهم قليلًا أو كثيرًا بعد خروجهم، ولكنهم خلال السجن بقي تمسكهم بانتمائهم ثابتًأ.

كان بقاؤهم في السجن لفترت طويلة قرارًا ذاتيًا باختيارهم، إذ كان يكفيهم أن يوقعوا على ورقة يعلنوا بها توبتهم عن العمل السياسي ليخلصوا من ذاك الجحيم ويخرجوا، ولكنهم لم يفعلوا وآثروا البقاء.

لا شيء يفسر ذلك سوى شعورهم العميق بكرامتهم، فالتوقيع وإعلان التوبة أو الندم فيه هدر للكرامة أمام الذات أولا وأمام الجماعة التي ينتمي لها ثانيا وأمام رفاقهم الذين يعرفونهم بالإسم، وقبلها شعور بالعار إن فعلوا بأنهم احنوا رؤوسهم لجلاديهم.

الانتماء للجماعة وتخيل الفرد لصورته في عيون جماعته ككل وفي عيون المجتمع وفي عيون رفاق محددين تربطهم بهم علاقة وطيدة، وحرصه ألا تنكسر تلك الصورة، وكان هذا يمده بطاقة هائلة تساعده في تحمل الجحيم. وجود الفرد ضمن رفاقه في السجن تشحنه بتلك القوة العجيبة. وحتى مع السجن الإنفرادي للعديدين ولسنوات طويلة تبقى الجماعة موجودة معه في مخيلته.

صديقي سجين تدمر السابق محمد برو قال لي أن تأثير المجموع الذي يشكل بكليته للفرد الواحد فيه ذاتاً عليا تعزز مقاومته وتشده اليها. والزاما اجتماعيا يضطر الكثيرين للارتقاء بالنفس لتقارب هذه الذات التي تتجسد فيها الأفكار والقيم التي تولد تلك الحماسة اللازمة، فتشكل محور حياة السجين وفضائه الذي يحيا به. وبذا يصبح الانسلاخ أو الانفكاك عن هذا المجموع ” مجموع السجناء الذين يمثلون تيارا فكريا محددا” كأنه انسلاخ عن كل قيمة ومعنى ويصبح هذا الفعل أشبه بمن يخلع ملابسه في صحراء ثلجية.

طاقة الكرامة مدهشة وهذا يشرح لماذا ثورة السوريين هي ثورة كرامة… ثورة ضد هدر الكرامة التي تعرض لها السوريين كافراد وكشعب،

فكرامتهم الفردية أهدرت حين يستطيع عنصر أمن صغير أن يقود أي فرد مهما علا شأنه الاجتماعي، يودع السجن دون ذنب ولمدد طويلة، دون أن يستطيع هذا الفرد الاعتراض،

وكرامة السوريين الجمعية أهدرت عندما سُلِبَ حقهم في اختيار النظام الذي يريدونه واختيار الرئيس بانتخابات نزيهة ليست مزورة

كما أهدرت حين سلبت حقوقهم في التنيظم والتعبير،

وكرامة السوريين الجمعية أهدرت عندما بقي الجولان محتلًا لعقود ويتم الصمت ومنع الحديث عنه كي لا تحرج النظام

وأهدرت حين تم توريثهم من الأب الى الإبن كما تورث المواشي…

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: