القتال على جبهات حُبِ التَمَلّكْ

القتال على جبهات حُبِ التَمَلّكْ

مشاركةFacebookX

لم تخلُ أي فترة من تاريخ البشرية من صراع حول ملكية الثروة والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وبينما يعتبر علماء الاجتماع والاقتصاد الليبراليون حب التملك غير المقيد مكون طبيعي أساس للنفس البشرية، و قوة دافعة للإنسان نحو الإبداع والابتكار والتقدم، وأن الفرد عندما يعمل لمنفعة ذاته، إنما يسهم في خلق المنفعة للآخرين ولمجموع مجتمعه، يعدها علماء الاجتماع والاقتصاد المناصرون للعدالة الاجتماعية على أنها مرض يلم بالنفس البشرية، وأن “الملكية الخاصة هي أصل كل الشرور”، وأنها شذوذ مخالف لطبيعة البشر يجب تقويمه، وأنها أحد أهم بؤس المجتمعات وهدر طاقاتها. و يفترضون أن على البشر التزام السلوك النبيل القائم على أسس مثالية من صنع مخيلة البشر.

العلماء الأولون ينطلقون من أن المصالح المادية وما ينتج عنها من مكانة اجتماعية والدوافع الأنانية هي القوة الدافعة للتطور، تعوّل المجموعة الأخرى على أن الرغبة في فعل ما هو نافع للإنسان ودافع حب الخير للخير ذاته والمكانة الاجتماعية التي تنتج عنها هي القوة التي تليق بالإنسان وتكون محركًا له.

في الواقع العملي أنتجت النظرة الأولى وتنتج أنظمة الملكية الخاصة بمختلف مراحلها من العبودية وحتى الرأسمالية مرورًا بالإقطاعية، وانتجت أنظمة الحكم الفردية أو أنظمة حكم مجموعات صغيرة تتحكم بالمال والسلطة والمكانة الاجتماعية مقابل غالبية فقيرة خاضعة، وأنتجت حب المغامرة الفردية والجماعية وانتجت الاستعمار والسعي للسيطرة على ما ينتجه آخرون وعلى مقدرات البلدان الأخرى، ينما أنتجت النظرة الثانية محاولات ومساعي عبر التاريخ لتقليص الفروقات في توزيع الدخل والثروة، ونجحت إلى حد ما ولكن كانت السيطرة تعود دائمًا لحب التملك. ومع سيطرة الرأسمالية في القرن التاسع عشر وما خلقته من حراك اجتماعي واسع خلال فترة زمنية قصيرة، نمت في أوروبا قوة الاتجاه الثاني، الاتجاه الداعي للعدالة الاجتماعية، وفي القرن العشرين قيِّض لهذا الاتجاه أن ينتصر في عدد من البلدان في كل من روسيا وتبعها بلدان أخرى شكلت مع بدايات النصف الثاني في القرن العشرين “الكتلة الاشتراكية” والتي شملت نحو ثلث البشرية، ولكن هذه الأنظمة عادت لتخسر الصراع وتسقط تباعًا، كالاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية، أو تتحول جوهريًا رغم بقائها محافظة على الاسم مثل الصين الشعبية.

يبدو أن التطرف الذي وقعت به التجارب الاشتراكية بإلغائها للملكيات الخاصة وسيطرة الدولة عليها بشكل شبه كامل حتى الصغيرة منها، ومصادرتها لقوى الإنتاج في المجتمع من أرض وشركات ومؤسسات إنتاجية بمختلف أنواعها، ووضعتها بيد مؤسسات تديرها البيروقراطية الحكومية التي تضخمت إلى حد بعيد، وإنكارها لدور الدوافع الشخصية للفرد ودور التحفيز في دفع كتل الناس وجموع العاملين نحو مزيد من الإنتاج، رغم زعمها أنها تربط الأجر بالإنتاج والمنافع بخلق القيم المضافة، غير أنها في الواقع أقامت نوعًا من “المساواتية” بين المجد والكسول. ففي البلدان الاشتراكية السابقة كان التعليم مضمونًا والطبابة مضمونةً والسكن مضمونًا والوظيفة مضمونة والتقاعد مضمونًا، ولا تختلف كثيرًا بين مبدع ومتواكل، ومنحوا العمل العضلي قيمة أكبر من العمل الذهني، فخسروا الرهان في النهاية لأن ذاك التنظيم الذي أقاموه قد قتل القدرة الإنتاجية للاقتصاد والفرد والمجتمع وخنق الأفكار الجديدة، فتراجع ما يتوفر للسلطة القائمة من أموال ومنتجات، فتراجعت الخدمات وتراجع مستوى الحياة، وأنتج هذا النظام “مساواة في الفقر” مصحوبًا بكم كبير من الهدر (أجهزة حكومية متضخمة، أجهزة امن وجيش متضخمة، إجراءات طويلة تهدر الوقت والمال) وبقدر كبير من الفساد والإفساد أيضًا.

فشل التجارب الاشتراكية التي تنكر الملكية الخاصة والدوافع الخاصة، أعطى شرعية للأنظمة القائمة على الملكية الخاصة بدون قيود. وقد جعل هذا البشرية تنوس بين تطرف الأنظمة التي قامت وتقوم على إمكانية التملك غير المحدود والذي ينتج ثروات لأفراد تعادل آلاف وعشرات الآلاف بل والملايين بل و مئات الملايين من البشر ، بما يعنيه هذا من استغلال وسيطرة أقلية على جزء كبير مما ينتجه جموع الناس، و بين أنظمة تنكر الملكية الخاصة وتعدها أصل الشرور، وتقيم أنظمة تقتل الحافز الفردي. لذلك اصبحت البشرية تواجه اليوم السؤال: إلى أين، و أين هي الحدود، و كيف يمكن صوغها في أرض الواقع.

هذا السؤال يدفعنا لإعادة طرح السؤال المتكرر حول حب التملك وإلى أي حد هو جزء طبيعي من تكوين الإنسان ككائن حي أم مكتسب. هنا يمكننا العودة لمشاهدة سلوك الكائنات الأخرى من حيوانات وطيور وحتى الحشرات، وتقدم أقنية التلفزيون اليوم واليوتيوب والانترنت مادة حية للمشاهدة متاحة لجميع الناس. وتظهر لنا مشاهدتها أن حب التملك، سواء تملك الحيوان لحيز محدد من المكان، أو صراع الذكور للفوز بالأناث، إنما هو سلوك طبيعي لها. مثلاً حيوانات كثيرة تسعى لتحديد حيز خاص بها، وتحديد منطقتها باستخدام بولها أو رائحتها، وتمنع الحيوانات الأخرى من الاقتراب من حياضها، وتظهر سعي حيوان قوي للسطو على صيد حيوان آخر، وتتنافس ذكور الحيوانات والطيور على نيل الأناث، فترقص الذكور رقصات مغرية للأناث ثم يتعارك الذكور، والأقوى هو من يحظى بالأنثى، بينما تنتظر الأنثى أن يفوز بها المنتصر في العراك. والأنثى هي من يربي الصغار، بينما يتميز الذكور بالقوة وخشونة الطباع مقارنة بالأناث، إلى درجة أن بعض ذكور الحيوان مثل الأسد يقتل الصغار كي يجبر الأم على التزاوج معه. ومن يراقب فصيلة القردة والشمبانزي وهي المخلوقات الأقرب للبشر، يرى ان الأقوى ينتزع السيطرة، ويقاتل من ينافسه عليها، بينما يخضع له الآخرون، وعندما يتوفر الطعام فهو أول من يأكل ثم تأتي الأناث لتأكل من بعده.  فالطبيعة تقوم على “اللاعدالة”، بل العدالة ذاتها هي مفهوم من صنع البشر. ويستنتج أنصار الليبرالية أنها “لا عدالة” ضرورية للتحفيز وفي هذا خير البشرية، لذا فهي “لاعدالة عادلة”

يقدم مناصرو الليبرالية تجربة الصين. ويجزمون أن شمولية نظام ماو تسي تونغ وانعدام الملكية الخاصة أعطت مفعولها في الصين في العقود الثلاث الأولى فنقلت الصين من الجوع إلى الفقر، ولكن  استمرار  تلك السياسة التي تنكر التمايز بين الأفراد وترفض ربط المردود بالجهد المبذول ونتائجه، وتكبح المبادرة الفردية في كل شيء، مكتفية بالقيادة “الحكيمة والرشيدة” لماو تسي تونغ ورفاقه ما كانت لتعطي هذه النتائج المبهرة التي أعطتها تجربة الصين بعد وفاة ماو و بدء التغيير بقيادة دينغ تشاو بينغ سنة 1978 وحتى الآن، والذي بدأ بفتح الباب أمام المبادرة الخاصة، وجعل زيادة الانتاج تنعكس زيادة في المردود الذي يحصل عليه الفرد، وقد بدأها دينع تشاو بينغ خطوة خطوة، أولًا في القطاع الزراعي والقطاع الصغير ثم المتوسط والكبير، بادئًا بمدن ومناطق ساحلية محددة مثل شنغهاي وأخذ في توسيعها باتجاه عمق الصين البري، حتى أزال أي قيود على المبادرة الخاصة والتملك الخاص وتكوين الثروات، مع إبقاء قبضة الحزب والدولة ممسكة بقوة بالمجتمع توجه حركة الاقتصاد العام والخاص. لكن من جهة أخرى أصبحت الصين اليوم تشبه أي دولة رأسمالية، ينمو فيها التفاوت الاجتماعي والبطالة والفقر كما ينمو عدد المليونيرات المليارديرات بخطوات سريعة. غير أن المحصلة الإجمالية لهذا النهج أن الجميع قد انتفع به واستفاد منه، فالكعكة أصبحت أكبر وحصص الجميع منها أكبر من حصصهم سابقتها الصغيرة، وإن لم تكن حصصُا متساوية، بينما الاشتراكية خلقت “مساواة في الفقر”.

لكن أنصار العدالة الاجتماعية يردون بأن “لا عدالة الطبيعة” محدودة الضرر ومحكومة بضرورات البقاء، ولكن لا عدالة المجتمع البشري لا حدود لأضرارها. فالشمبانزي او السد أو الذئب لا يطمح لأكثر من الحفاظ على حياته، كما انه يعمل بإخلاص لصالح جماعته وحمايتها وحماية حدودها من الطامعين والذود عنها وعن سلطته فيها. أما أطماع الانسان فلا حدود لها فهو كالنار لا يشبع، وكلما أصبح اكثر ثراءً أصبح اكثر شراهة لمزيد من الملكية ومزيد من المال.  و لا يمكن قبول أن تصل ثروة الفرد، والتي يسميها الليبراليون بأنها مكافأة المبادرة والمخاطرة وحسن الإدارة، أن تصل إلى حد أن يمتلك فرد واحد ما يمتلكه آلاف بل مئات آلاف وملايين الأفراد، فهذا غير مقبول لأنه ظلم اجتماعي ينتج البؤس لقطاعات واسعة من أجل رفاه النخبة، إذا لا يمكن أن تكون الفروقات بين البشر في الكفاءة والقدرة على الانتاج وخلق المنافع تزيد بمئات وآلاف وملايين المرات عن متوسط دخل معظم المشتغلين. أي إن الثروات الكبيرة هي استيلاء على ما انتجه الآخرون بفعل آلية السوق وتشريعات تقديس الملكية الخاصة. 

في الواقع الموضوعي فإن الفروقات في القدرات بين البشر لا تزيد عن واحد إلى عشرة، وهذه هي القاعدة أو شيء قريب منها التي تبنى عليها معظم سلالم الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص عبر العالم، فالفروقات بين الحد الأدنى والحد الأعلى للأجر أو الراتب لا يتجاوز عشر أمثال أو أكثر قليلًا. وبالطبع من الصعب الانتقال إلى توزيع الدخل حسب هذه القاعدة اليوم او في وقت قريب لتكون سقفًا لثروات الأفراد، إذ ستحتاج لزمن ومراحل وشروط مناسبة للوصول اليها، ولكنها جديرة بأن تكون غاية للبشرية على المدى الطويل.

عندما يتحول نمط التحفيز في اقتصاد السوق الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة الكبيرة إلى استيلاء واسع للبعض على ما أنتجه آخرون بواسطة قواعد الملكية والتبادل في السوق، سينتج عنها نتائج اقتصادية واجتماعية سلبية كبيرة تخلق عدم استقرار اقتصادي (أزمات اقتصادية دورية) و عدم استقرار سياسي (اضطرابات وثورات) وتبذير (إنفاق باذخ للنخب الغنية). و لا تقتصر الآثار السلبية على دواخل الدول بل ينتقل ليصبح سطوًا عابر للحدود، إذ يتيح تنظيم الاقتصاد الرأسمالي العالمي أن تسطوا الدول المتقدمة علميًا و اقتصاديًا وعسكريًا على مقدرات ومنتجات وثروات شعوب بلدان متخلفة أو أقل تقدمًا عبر عملية التبادل التجاري غير المتكافئ. مثلا تبادل دول العالم المتقدم منتجاتها بأسعار مرتفعة مقابل أسعار متدنية لمنتجات الدول النامية، لأن النظام العالمي مصمم على هذا الأساس وقد صممه الأقوياء وفق قاعدة “التاجر الأكبر يضع قواعد التجارة في السوق”. ولا متسع للدخول في مناقشة هذه الفكرة.

أعود لصلب الفكرة الأولى: إذن هي ميول لها أساس في طبيعة التكوين البشري وليست شذوذًا، ولكنها تأخذ أبعادًا شاذة ضررها على مجتمع البشر أكبر بكثير من مجتمع الحيوان لأن ميول الحيوان محكومة بحاجته للحياة، فالذئب لا تعنيه قطعان الخراف بعد أن يشبع، بينما ذئاب البشر لا يشبعون، وقد نظم حب التملك في المجتمع بحيث أصبح بلا سقوف ويتجاوز حاجة الإنسان للحفاظ على حياته إلى حب للسيطرة ليس لها حدود. لذلك تأتي الحاجة إلى القواعد الاجتماعية الداعية للعدالة لضبط غرائز البشر من أجل خلق مجتمع يرتقي نحو الكمال. وقد وضع البشر عبر تاريخهم القديم والحديث قواعد لضبط جشع البشر، عكستها الأديان سماوية وغير سماوية دون ان تنجح في فرضها في أرض الواقع، بينما نجحت بعض الثورات في إقامة تجارب الاشتراكية عبر العالم، انتهت بالفشل بعد نجاح مؤقت،  كما نجحت مساع أوروبية وقامت أنظمة الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا التي طبقت سياسات لإعادة توزيع الدخل وأقامت شبكة من الإجراءات التي خففت من حدة التفاوت في الدخل والثروة وقدمت دروسًا غنيةً، ولكنها تراجعت منذ ثمانينيات القرن العشرين باتجاه مزيد من اللاعدالة، وقد بقيت غير كافية حتى الآن،  فالمصالح الأنانية للفئات المسيطرة صاغت القواعد والقيم بما يخدم مصالحها وجعلتها مقدسة “تابو” وجعلت الملكيات الكبيرة الشاذة “طوطمًا” لا يجوز مساسه، وجعلت من هذه القواعد أسسًا ثابتة عابرة للزمان والمكان. ثم جاءت هزيمة المعسكر الاشتراكي ليشجع النظام الرأسمالي على هجمة مرتدة فقلصت الكثير من مزايا دولة الرفاه الاجتماعي Welfare state  التي نمت وتكونت بعد الحرب العالمية الثانية، وتراجعت شروط العمل والتأمين وتعويضات البطالة والأجور وشروط مكان العمل وتم إضعاف النقابات وتراجعت سياسات إعادة توزيع الدخل وفرضت ضرائب أعلى على المشتغل العادي بينما تم تخفيض الضرائب عن الشركات والدخول العليا، وتم تخفيض القيود على نشاط رأس المال الكبير، فكانت النتيجة عددًا من أزمات اقتصادية كبيرة شملت الأولى جنوب شرق آسيا سنة 1997 والثانية ازمة خريف 2008 التي بدأت في الولايات المتحدة وامتدت لتشمل الاقتصادات الكبرى في العالم، والتي تم حلها على حساب جيوب دافعي الضرائب. فجعلت المجتمع البشري بحاجة أكثر الى تغيير يخلق التوازن، بحيث يحافظ على التحفيز من جهة ولكن يحقق تحسين متنامي في صورة العدالة في توزيع الدخل على نحو متصاعد. وأعتقد أن الجواب يكمن في تطوير نموذج نظري يبنى على تجارب الحياة، تتضافر فيه الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاقتصادية، لأن الأولى لن تتحقق بدون الثانية. وهذا موضوع يحتاج لتوسع في مقالة أخرى. 

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: