الصين … مشروع الحزام والطريق ودور العرب

الصين … مشروع الحزام والطريق ودور العرب

مشاركةFacebookX

يمثل مشروع “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، وطريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين”، والذي يعرف اختصاراً بـ”مشروع الحزام والطريق”، قفزة أخرى إلى الأمام في تعزيز دور الصين على ساحة الاقتصاد الدولي. وتسعى القيادة الصينية إلى ترويج مشروعها الاستراتيجي الذي طرحه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في عام 2013، وهو يحتل اليوم موقعاً مركزياً في نشاطات الصين الدبلوماسية والاقتصادية الدولية، ويبنون عليه آمالاً، على الرغم من أنه مازال في خطواته الأولى. ويروج الصينيون أن للعرب، وخصوصاً دول مجلس التعاون، دوراً مميزاً فيه. وقد شكل الحوار حول المشروع المادة الرئيس في مؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العربية الذي عقد في الصين في 21 و 22 إبريل/ نيسان 2016.
يتضمن المشروع، حسب التصورات الصينية، ثلاثة أحزمة اقتصادية، تمتد على طول طرق الحرير البرية الثلاثة، وهي حزام طريق حرير الشمال الممتد من الصين إلى أوروبا عبر سيبيريا وبقية روسيا باتجاه بحر البلطيق شمالاً، حزام طريق الحرير الأوسط الممتد من الصين عبر وسط آسيا فإيران حتى شبه الجزيرة العربية ثم أوروبا، حزام طريق حرير الجنوب الممتد من مقاطعة سيشوان في الصين إلى جنوب آسيا ثم الهند. وستتكون تلك الأحزمة من طرق برية وخطوط سكك حديد فائقة السرعة ومناطق لوجستية لتخديم التجارة ومناطق استثمار على طول هذه الخطوط. ويبلغ عدد السكان في مسار مناطق المشروع نحو ثلاثة مليارات نسمة.
أما طريق الحرير البحري فله مساران، الأول الخط البحري الغربي الممتد من بحر الصين باتجاه المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط فأوروبا، ثم الخط البحري الجنوبي الممتد من بحر الصين الجنوبي باتجاه أستراليا وجنوب المحيط الهادئ.

الغايات الصينية
على المستوى الداخلي، تشهد الصين مرحلة تحول هيكلي في اقتصادها، حيث يشهد تفوقها 

“المشروع كبير وطموح، بحجم الصين وطموحاتها، وسيواجه، بالتالي، مهام كبيرة وتعقيدات وصعوبات كثيرة، وهو يقتحم العالم بالقوة التي تريدها الصين”

بالتكلفة المنخفضة تراجعاً، فقد استنفدت الجزء الأكبر من يدها العاملة الرخيصة، ونمت الطبقة الوسطى، وارتفعت تكاليف المعيشة والأجور، وبالتالي تكاليف الإنتاج، ما يعني هروب الصناعات كثيفة العمالة إلى دولٍ أخرى، مثل فيتنام وإندونيسيا، وتتحول الصين اليوم إلى إنتاج سلع كثيفة المعرفة، وكثيفة رأس المال، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع حدّة الصراع مع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، لدخول الصين حقل منتجات تلك الدول نفسه، ما يتطلب تعزيز دورها أكثر، وهذا يجعل الاقتصاد الصيني بحاجة ماسّة اليوم لمحركاتٍ جديدةٍ لمواجهة ضغوط تراجع نموها الاقتصادي، مع استمرار آثار أزمة 2008، وتراجع الطلب العالمي. وقد أصبح لدى الصين فيض في القدرة الإنتاجية في الصناعات التقليدية، وفي قطاعاتٍ مثل إنتاج الصلب والحديد والإسمنت وبناء السفن وغيرها. وبالتالي، بدأ تطورها الاقتصادي يواجه تحدياتٍ جديدة تتطلب تفوقاً في قطاعات جديدة في المنافسة المتصاعدة، على الرغم من أن الصين تخطط لتنمية الطلب المحلي، ليكون محفزاً للنمو، لكن هذا يحتاج إلى وقت طويل، كي يصبح هو محرك النمو.
تأمل الصين أن تساعد مبادرة الحزام والطريق على نمو صادراتها، ما يخفف تداعيات تراجع نموها وآثاره السلبية على الاقتصاد الصيني، ويحافظ على التشغيل، وتوسيع الطلب المحلي، وتسريع التحول الصناعي، وتحويل الهيكل الاقتصادي الصيني، وتعديل نمط النمو. وأن تساعد هذه المبادرة على تناسق تنمية المناطق الصينية الداخلية، وهي غير متناسقة الآن، فالمناطق الشرقية الجنوبية غنية، أما الغربية الشمالية فما تزال فقيرةً، وتشكل نقطة ضعف للتنمية الصينية، ومشروع الحزام والطريق يربط المناطق الداخلية والسهول الوسطى والمجريين الأعلى والأوسط لنهر اليانغتسي مع منطقة الفولغا الروسية، كما يربط غربي الصين وجنوبها الأوسط بالدول المجاورة وجنوبي آسيا والتيبيت ونيبال، ويربط مختلف مناطق الصين مع أوروبا.
على المستوى العالمي، يرى الصينيون أن الأزمة المالية لعام 2008 أظهرت ضعف الاقتصاد الذي تتحكّم به القوى الغربية، ما يشجع الصين على لعب دورٍ أبرز على صعيد الاقتصاد العالمي. وأن آسيا الوسطى بقيت متخلفةً، على الرغم من امتلاكها الموارد، وتحل، بالتالي، طاقات نمو كبيرة، خصوصاً مع نمو إيرادات النفط لدول وسط آسيا في العقود الأخيرة، ومشروع الحزام والطريق يهدف لتنمية هذه المناطق، إضافة إلى مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا. وتطمح الصين إلى بناء رابطة عالمية مستجدّة، بديلاً عن النظام الدولي الحالي الذي يسيطر عليه الإرثان الاستعماريّ والإمْبِريالي، وتساعد في تعديل التحكم الغربي في قواعد التجارة والاقتصاد العالمي، وتعزّز تعدّد القطبية، وتجعل الصين شريكاً رئيساً في هذا التحكم، ويساعد التبادل الحر والمنظم للموارد وتوزيعها ونمو الأسواق والاستفادة  المتبادلة بين الحضارات. ولا تسعى الصين إلى تغيير في قواعد السوق العالمي، بقدر ما تسعى لتعظيم دورها، على الرغم من تأكيدها على التشاور، والبناء المشترك، والكسب المشترك والمنفعة المتبادلة، والانفتاح والتسامح والتعلم، وبناء وحدة المصير. 

أسس المشروع
يقوم مشروع الحزام والطريق على جملة من الأسس منها:
أولاً: تعزيز تنسيق استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاندماج الاقتصادي الإقليمي، وتنسيق السياسات التجارية والجمركية والضريبية والمالية وسياسات النقل والبيئة والقياس والإحصاء وغيرها.
ثانياً: تعزيز ربط منشآت البنية التحتية للدول المشاركة، وربط الطرق البرية لتستكمل الشبكات 

“يعلم الصينيون أن الولايات المتحدة ليست مرتاحة لمشروع الحزام والطريق، لكنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تملكان القدرة الكافية لمعارضته”

القائمة، وتفتح مناطق الاختناق وطرق قطارات فائقة السرعة، وتعزيز خطوط الطيران وخطوط النقل البحري والموانئ البحرية والجوية، وبناء شبكة مواصلات واتصالات ومد كابلات ألياف ضوئية برية وبحرية (طريق حرير معلوماتي) وأفكار صناعية (خطوط معلومات جوية)، تربط شرقي آسيا وغربها وجنوبها تدريجياً، وتربط شبكات نقل الطاقة والنفط والغاز، من أجل تسهيل النقل وتسريعه وخفض تكاليفه، وإحداث ممر كبير للشحن من المحيط الهادئ إلى أوروبا.
ثالثاً: تسهيل انسياب التجارة في البضائع والخدمات والاستثمار وإزالة الحواجز من أمامها، وبناء مناطق حرة للاستثمارات الصناعية والخدمية، وتسهيل الإجراءات الجمركية والفحص وإجراءات الحجر الصحي وتبادل المعلومات وإقامة مناطق صناعية وخدمات تجارية ولوجستية على طول مسارات طرق الأحزمة البرية الثلاثة والطريق البحري، وتوحيد المعايير والفحص والحجر ومعايير القياس والإحصاء وشهادات المنشأ وحماية الملكية الفكرية والتحكيم التجاري وحماية البيئة، وإقامة مشروعات التعاون في مجالات البحث العلمي والتطوير والإنتاج والتسويق وغيرها.
رابعاً: تسهيل التمويل والاستثمار وتبادل العملات وتنسيق أسواق السندات، وإنشاء بنك الاستثمار الآسيوي وهيئة التمويل التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، وتشغيل صندوق طريق الحرير والتعاون في قضايا الاستثمار والتصنيف الائتماني، وتعزيز التداول النقدي بالعملة المحلية وتسوية الحساب الجاري وحساب رأس المال بالعملة المحلية، بما يخفض كلفة التداول، ويقلّص المخاطر المالية، ويرفع القدرة التنافسية للاقتصاد الإقليمي، والأهم يعزّز دور اليوان الصيني عملة عالمية رئيسية، ما يمنح الصين دوراً أكبر، ويحقق لها أرباحاً ريعية هائلة.
خامساً: تعزيز التبادل الثقافي ومِنَح التعليم والتبادل الأكاديمي ووفود الشباب وترويج السياحة وتوأمة المدن وحماية البيئة وغيرها على طرفي الطريق، أي “ربط القلوب بالجيوب”.
حتى الآن، أبرمت الصين أكثر من مائة عقد لإقامة مشاريع على مسار مشروع الحزام والطريق، مثل بناء موانئ في اليونان وجيبوتي، وطرق سكك حديد فائق السرعة في شرق أوروبا وتركيا، وتشارك الصين في مناقصات المشروعات التي تطرحها تلك الدول، على أساس تجاري، إن وجدت المشروع يتناسب مع مشروع الحزام والطريق ومصالح الصين. وسيشكل المشروع، في حال نجاحه، جسراً يربط جنوب آسيا وشرقها بآسيا الداخلية وبجنوب المحيط الهادئ وبأفريقيا وأوروبا، وخصوصاً بآسيا الداخلية وأفريقيا التي مازالت تحمل طاقات نمو هائلة، ويجعل البضائع الصينية تصل إلى كل مناطق مسارات الأحزمة خلال أيام، بدلاً من أسابيع، فتصل إلى الخليج العربي خلال 48 ساعة فقط، عبر القطارات فائقة السرعة، وتوفر في تكاليف النقل، ما يجعل آسيا مركزاً للتجارة العالمية. إن نجح المشروع في رفع حصة التجارة البرية إلى 10%، وربما 20%، بدلاً من نسبتها الحالية التي لا تزيد عن 5%، فهذا يعني كميات وقيماً هائلة وسوقاً ضخماً تفتح سوقاً كبيرة للمنتجات الصينية.

موضوع للتنافس الدولي
المشروع كبير وطموح، بحجم الصين وطموحاتها، وسيواجه، بالتالي، مهام كبيرة وتعقيدات وصعوبات كثيرة، وهو يقتحم العالم بالقوة التي تريدها الصين. ومن جهةٍ أخرى، فهو موضوع للتنافس الدولي حول من سيلعب دوراً أكبر في مناطق آسيا، وأول من طرح فكرة المشروع هي الأمم المتحدة (مشروع طريق الحرير الاقتصادي الجديد). تطرح الولايات المتحدة مشروعها للمنطقة، وهي تسيطر على أواسط آسيا، والهند مع إيران تطرح مشروعاً آخر منافساً، وروسيا مع أوروبا تطرح مثل هذا المشروع، وحتى اليابان ليست مرتاحة كثيراً لصعود الصين. ويعلم الصينيون أن الولايات المتحدة ليست مرتاحة لمشروع الحزام والطريق، لكنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تملكان القدرة الكافية لمعارضته، فلكل بلد شؤونه، ولن تستطيع القوى العظمى أن تسيطر على كل شيء، وخصوصاً بعد أزمة 2008 من جهة، ورغبة الدول على جانبي الحزام والطريق المشاركة في المشروع. وفي النهاية، لا تستطيع أية قوة مسيطرة أن تبقى مسيطرة دائماً.

العرب ومشروع الحزام والطريق
يؤكد الصينيون أن مبادرة “الحزام والطريق” تلتزم بمفاهيم التعاون والانفتاح والمنفعة المتبادلة 

“يمكن أن يشكل مشروع الحزام والطريق فرصة كبيرة أو صغيرة للعرب، فالمنطقة العربية تحتل، براً وبحراً، موقعاً مركزياً في المشروع”

والفوز المشترك، وأنها ليست عزفاً صينياً منفرداً، وإنما سيمفونية تعزفها الدول والمناطق على طول “الحزام والطريق”، غير أن الواقع لا يسير بالضرورة وفق هذا الكلام الجميل، بل وفق المصالح والصراع حولها.
بلغ التبادل التجاري بين العرب والصين عام 2015 نحو 202 مليار دولار، 70% منها مع دول مجلس التعاون، حيث يشكل النفط معظم قيمتها، ويتطلع الصينيون إلى ارتفاع حجم التجارة بين الصين والعالم العربي إلى 600 مليار دولار في العقد المقبل، وأن ترتفع الاستثمارات من 10 مليارات دولار الآن إلى 60 مليار دولار خلال عقد.
ينقسم العرب، من وجهة نظر الصين، إلى مجموعتين. الأولى دول مجلس التعاون الخليجي التي تملك المال، ويرون فيها مصدراً للاستثمارات، وسوقاً كبيرة بقدرة شرائية مرتفعة، تتطلب سلعاً بجودة عالية. والثانية هي بقية الدول العربية، ويرون فيها سوقاً واسعة للسلع الصينية، ذات الجودة الأدنى، تضم عدة مئات من ملايين البشر.
يمكن أن يشكل مشروع الحزام والطريق فرصة كبيرة أو صغيرة للعرب، فالمنطقة العربية تحتل، براً وبحراً، موقعاً مركزياً في المشروع. يمكن أن تقتصر استفادة الدول العربية من المشروع بأن تكون مجرد منصةٍ لتوسيع أقنية تصريف المنتجات الصينية في الأسواق العربية، وتعهد تنفيذ مشاريع، وأن تكون البلدان العربية محطة عبورٍ لمنتجات صينية في طريقها إلى بلدانٍ أخرى. لكن، يمكن أن يكون المشروع مناسبةً لترجمةٍ فعلية لحديث الصينيين عن مساعدة الدول العربية في رسم السياسات وتصميم الإدارة وإقامة شراكةٍ في ميادين البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا وتنمية التصنيع والطاقات الجديدة والطاقة النووية ومشاريع البنية التحتية والاتصالات، وصناعات الفولاذ والمعادن وتنمية صناعات في مجلس التعاون ذات كثافة رأسمالية وقيم مضافة عالية، وصناعات خفيفة كثيفة العمالة في البلدان العربية ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وخصوصاً بعد ارتفاع مستويات الأجور في الصين، وتقيم الصين الآن مناطق صناعية في خليج السويس في مصر، وفي منطقة جيزان في السعودية وفي عُمان.
يتوقف جعل مشروع الحزام والطريق والعلاقة مع الصين فرصة للبلدان العربية على البلدان العربية نفسها أكثر مما يتوقف على الصينيين، ويتوقف على مدى امتلاك الدول العربية رؤية وخطة، وقيادات واعية لديها مشروع وطني للتنمية، وتوفير مستلزمات نجاحه وتنفيذه بثبات، كما فعل و يفعل الصينيون. وقبل هذا كله، تنسيق وتعاون فيما بينهم. ويمكن للعرب المناورة بما لديهم من إمكانات بشرية ورؤوس أموال واستخدام ورقة التعامل باليوان الصيني، وورقة التنافس الصيني الأوروبي الأميركي لتحسين شروط التعاون مع الصين، وإلا تبقى فوائد المشروع محدودة. لكن، يمر العرب اليوم في أصعب لحظات تاريخهم الحديث، فكيف سيتصرّفون؟

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: