الصراع الدولي على حقل غاز جنوب تدمر

الصراع الدولي على حقل غاز جنوب تدمر

مشاركةFacebookX

كان صراع سياسيًأ أيضًا

سنة 1998 اكتشفت الشركة السورية للنفط حقل غاز كبير جنوب غرب تدمر، وطاقته الانتاجية 6-7 مليون م3 يوميًا وهم أكبر حقل غاز في سورية، وكانت أهمية الغاز ترتفع في العالم وثمة توجه لاستثماره بعد أن تم اهماله وحرقه على الشعلة لسنوات كثيرة (هكذا يسمى) وهو اللهب الذي نراه فوق حقول النفط يخرج من فوهات شعلة ترتفع قرابة مائة متر في الجو.

حين زيارة بشار الأسد لفرنسا سنة 2001 واستقباله من قبل الرئيس الفرنسي جاك شيراك قدم بشار الأسد وعدًا للرئيس الفرنسي جاك شيراك بأن يمنح هذا الحقل لشركة توتال الفرنسية وهي متواجدة من قبل في سورية و تستثمر في حقول نفط في دير الزور

من جهة أخرى اهتمت شركة بتروفاك بذات الحقل واتفقت في خريف سنة 2000 مع شركة بي إتش بي الاوسترالية، وهي شركة مناجم وطاقة كبيرة، على التقدم لاستثمار هذا الحقل، بينما كان مدير عام الشركة السورية للنفط آنذاك الدكتور أحمد معلا يرغب بأن تقوم الشركة السورية للنفط باستثمار الحقل وعدم منحه لأي شركة أجنبية وكانت حجته أننا اكتشفنا حقل الغاز بأنفسنا ونعرف حجم الاحتياطي الكبير ونحتاج فقط لبضع مئات من ملايين الدولارات لإقامة المنشآت ونأخذ كامل الأرباح، بينما كانت وجهة نظر أخرى تؤيد منح الاسثمارات النفطقة لشركات أجنبية تقول أن سورية بحاجة لاجتذاب شركات دولية غربية كبيرة كي تستثمر فيها مما يخفف الضغط السياسي الغربي عليها من جهة، ومن جهة أخرى ستحقق الدولة ذات العائد الذي تحققه من الشركة الأجنبية المستثمرة بسبب كفاءة الشركة الأجنبية دون أن تحتاج الدولة لضخ اي استثمارات في الحقل، وبالتالي يمكنها أن تضخ هذه المبالغ (يحتاج استثمار الحقل لنحو 700 مليون دولار) في قطاعات أخرى، مثلاً كان يعمل في الشركة السورية للنفط قرابة 12 الف مشتغل مقابل 3000 مشتغل في شركة الفرات للنفط (شل) وكان انتاجهما من النفط متقارب. وقمنا في شركة بتروفاك بدراسة مقارنة للجدوى الاقتصادية والسياسية بين أن تستثمر الشركة الحكومية حقل الغاز وبين أن تعطيها لمستثمر اجنبي وتم رفعها لرئيس الوزراء ولبشار الأسد.

كان رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو “اليد النظيفة” قد تولى الوزارة في آذار 2000 خلفًا لمحمود الزعبي الذي أمضى في رئاسة الوزارة 13 عام، وبدأت شركة بتروفاك مع شركة بي اتش بي تدرس الخرائط والمعلومات المتوفرة، وقامت بزيارات للحقل المذكور ثم تركت أحد المهندسين “توم جونز” مقيم في دمشق للمتابعة ومنحناه غرفة في مكتب بتروفاك وأغرم بالطعام السوري. وفي 2002. اقترحت على ايمن اصفري ان تقوم بي اتش بي وبتروفاك بدراسة لتطوير قطاع النفط ككل في سوريا من مختلف الجوانب وقمنا فعلًأ بتلك الدراسة ووضعنا استراتيجية شاملة لتطوير القطاع، وكانت استراتيجية مميزة فعلا عمل بها العديد من خبراء بي اتش بي وبتروفاك، يمكنها ان تجذب استثمارات بنحو 7 -8 مليار دولار وتخلق 160 ألف فرصة عمل، وتم عرضها ومناقشتها مع رئيس الوزراء ميرو ووزير النفط ومدير عام السورية للنفط. ولكنها أهملت كالعادة، وهذا نموذج لتعامل تلك السلطة مع أي افكار جديدة لتطوير الاقتصاد السوري. وسأكتب عن هذه الاستراتيجية.

بعد كثير من المداولات قرر مصطفى ميرو بموافقة بشار الأسد سنة 2003 أن يتم الإعلان عن استثمار حقل الغاز المذكور لمن يرغب من الشركات، وتقدم للمشاركة في الإعلان لاستثمار الحقل ثلاث شركات فقط لأن بقية الشركات العالمية تعلم اللعبة، وكان العرض الأول من شركة توتال الفرنسية، والعرض الثاني من كونسورتيوم مؤلف من كل من بتروكندا الكندية وأوكسيدنتال الأمريكية وبتروفاك البريطانية، والعرض الثالث من شركة سوميتومو اليابانية، ويبدو أن أحد النافذين أغراهم بتقديم العرض رغم انها ليست شركة طاقة. كانت شركة بي اتش بي التي اتفقت معها بتروفاك بداية قد غادرت سورية اواخر 2002 بسبب تبدل إدارتها العليا التي قررت الانسحاب من سورية والتركيز على خليج المكسيك حيث وجدت الشركة اكتشافات جديدة. لذلك توجهت بتروفاك للمشاركة مع بتروكندا ثم انضمت اليهما شركة اوكسيدنتال.

حين فض العروض كان عرض توتال هو الأقل سعرًا وهو الأفضل، ولكن الشركة السورية للنفط طلبت من العارضين الثلاثة تقديم عروض أفضل، فكان عرض الثلاثي الأنكلوساكسوني أفضل من الفرنسي اما سوميتومو فانسحبت، ولم تقدم شركة توتال شروط أفضل، فرسى العقد على الكونسورتيوم الثلاثي، وهنا جن جنون شيراك لأنه خرج بسواد الوجه وبدا صغيرًا، ، وكان شيراك مع شركة توتال يأملون أن يتم الاتفاق المباشر مع توتال بالتراضي وليس عبر إعلان، كما حدث في جميع عقود الاستثمار مع الشركات الأخرى، فكانت المفاوضات تتم مباشرة بين السورية للنفط والشركة الأجنبية الى ان يصلوا لاتفاق دون إعلان ومسابقات ومناقصات، ولكن مصطفى ميرو مع بشار الأسد رأؤوا ان الإعلان وإتاجة فرصة لمن يرغب باستثمار الحقل سيزيح الحرج عن بشار ويخفف من ذنب عدم تنفيذه لوعده لشيراك، ولكن شيراك بقي غاضبًا وبدا يصف بشار الأسد بأنه كاذب، وتوترت العلاقات بين فرنسا وسوريا بعد أن تجمعت موضوعات خذلان شيراك في موضوع عقد حقل الغاز مع التمديد للرئيس لحود في لبنان سنة 2003 وتصاعد التوتر بخاصة بعد اغتيال الحريري في شباط 2005. ولم تعد العلاقات بين البلدين الى دفئها الا في 2007 بعد فوز ساركوزي بالرئاسة الفرنسية.

تم وضع نص العقد باللغتين العربية والانكليزية بين الشركة الدولة السورية ممثلة بالشركة السورية للنفط وشركة بتروكندا ومعها شريكيها وجرى تدقيقه وأصبح جاهزًا للتوقيع، ولكنه لم يوقع لأن محمد مخلوف طلب أن يكون له ملكية في العقد 5% طبعًا دون أن يدفع شيئًا، ولكن أي من الشركات الثلاث لا يمكنها فعل ذلك لأنه يعرضها لعقوبات شديدة في بلدانها، وقد أخذ بازار المفاوضات عدة أشهر، ولكن محمد مخلوف لم يتنازل عن طلبه. وكان يومها وزير النفط ابراهيم حداد، وكان ابراهيم مع منح الحقل للشركة السورية للنفط، وكان يفعل ما يستطيعه لعرقلة إبرام العقد مع بتروكندا، ولكن القرار لم يكن بيده، وعندما لم يتم إرضاء محمد مخلوف طلبوا من الكونسورتيوم الثلاثي ضمانات حسن تنفيذ بثلاثمائة مليون ليرة سورية من أجل ضمان عدم فرض عقوبات على سورية وعدم وقف استثمار الحقل بسبب عقوبات أمريكية قد تصدر (كان الأمريكان قد احتلوا العراق وبدؤوا يهددون سوريا). وبالطبع لم يكن شرط الضمان المرتفع سوى حجة لعرقلة توقيع العقد. وهكذا أسدل الستار على هذه الحكاية ومنح الحقل للشركة السورية للنفط التي أعلنت عن مناقصة لإقامة منشآت الغاز في الحقل وكان العرض الأفضل لشركة إيطالية، ولكن جاء القرار هذه المرة بمنحه للعارض الثاني وهو شركة ستروي غاز الروسية وهي شركة تتوقف خبرتها عند تمديد الأنابيب وهي دون مستوى إقامة معمل غاز Gas Plant وتأخرت ستروي غاز بالتنفيذ ثم توقفت بحجة أنها تكبدت خسائر ثم طالبت ب 140 مليون دولار إضافي ليس لها بها أي حق وحصلت عليها . وقد كان وراء شركة ستروي غاز هذه المرة محمد مخلوف.

2004 اغلقت بتروفاك مكاتبها بدمشق بعد أن أنهت آخر مشروع لها وهو إضافة عنفة بخارية لمحطة التوليد في حقل العمر، وكنت أنا قد أسست مكتب خاص للدراسات والاستشارات وخدمات الاستثمار، تابعت ما بقي لشركة بتروفاك من تصفية أعمالها.

أواخر 2007 فازت بتروفاك بعقدين لإقامة معملين للغاز في حلقين يقعان غرب تدمر الأول مع شركة بتروكندا “شركة ايبلا” في حقل الشاعر قيمته 477 مليون وانتهى اوائل عام 2010 والثاني مع شركة اينا الكرواتية معمل غاز حيان قيمته 500 مليون دولار وانتهى عام 2011 وقد فجرته داعش 2017 وكنت اقدم الخدمات لبتروفاك من خلال مكتبي الذي ذكرته.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: