السوريون والعمل المؤسساتي

السوريون والعمل المؤسساتي

مشاركةFacebookX

يدفعني استمرار انتقاد فشل السوريين في العمل المؤسسي، وهو انتقاد محق، يدفعني للتفكير بأسباب هذا الفشل، والأهم بما يجب ويمكن فعله، وبخاصة فشلهم في تكوين مبادرة سورية جامعة كبيرة قادرة على فرض ذاتها، ويتردد هذا الانتقاد اليوم اكثر من قبل، وبالمقابل تعرب مجموعات كثيرة عن ضرورة المبادرة للقيام بعمل مؤسسي كبير ، وقامت وتقوم عدة مجموعات بمبادرات ولكنها تصاب دائمًأ بذات المرض إذ تبقى مبادرات صغيرة لا تترك أثرًا.

هذا “المرض العضال” ليس جينيًا وراثيًا بل هو مكتسب، وقد اكتسبه السوريون يوم بدأت أنظمة مستبدة تحكمه وتكتم أنفاسه، والتي بدأت مع عهد الوحدة السورية المصرية شباط 1958 – أيلول 1961 واستمرت مع سلطة البعث بدءًا من آذار 1963 بعد استراحة قصيرة بين أيلول 1961 و آذار 1963، ثم تكرست وتضخمت مع سلطة الأسد المطلقة في تشرين الثاني 1970، فهذه الأنظمة تقوم على تسليط أجهزة الأمن على الحياة العامة بكافة جوانبها، وزرع مخبريها في كل مكان وربط أعداد كبيرة من العملاء بأجهزة الأمن ممن يكتبون التقارير، بل حولت فرق حزب البعث لمكاتب تعمل في خدمتها وحولت أعضاء النقابات والمنظمات الشعبية وغيرها الكثير لمخبرين، وأصبح السوري يعتقل بسبب مجرد كلمة صغيرة أو حتى تقرير كاذب، ويودع في المعتقل بدون محاكمة لأجل غير مسمى، فنمت حالة الشك والاشتباه بالآخر في نفوس السوريين، ومع الزمن انتشرت عادة الاتهام بالعمالة. وهذه السهولة في الاتهام لها جذور في ثقافتنا، فقبل البعث كانت تهم العمالة للاستعمار ولأمريكا وللصهيونية، وحتى الرؤساء العرب لم يتورعوا عن اتهام زعماء عرب آخرين بالعمالة لإسرائيل.

حرصت الأجهزة الأمنية السورية المستبدة على زرع الفردية وثقافة “اللهم أسألك نفسي” ومنع أي عمل جماعي أي كان، فمنعت تنظيم الأحزاب والجمعيات المدنية، ولم يصدر في سوريا قانون للأحزاب لذا كانت جميع الأحزاب السورية غير مرخصة، بما فيها حزب البعث الذي تحكم سورية باسمه، و قامت سلطة البعث باعتقال كل من انضم الى حزب سياسي او سعى لتنظيم سياسي، طبعًا عدا الأحزاب التي دخلت خيمة الجبهة الوطنية التقديمة التي قامت بإخصاء هذه الأحزاب وجعلتها عاقرًا. وقد شملت الروح الفردية قطاع الأعمال، فمن اللافت للنظر أن العديد من الشركات الكبرى التي قامت قبل 1958 كانت شركات مساهمة مثل معمل إسمنت دمر ومعمل زجاج دمر ومعمل إسمنت حماه والشركة الخماسية وغيرها، بينما بعد انقلاب البعث أصبح كل رجل اعمال لا يرحب بأي شراكة، وأصبحت الشركات جميعها عائلية، وانتشر القول بين رجال الأعمال: “اللي عندو شريك عندو معلم” و “العب وحدك بترجع مبسوط”.

من الأمثلة الأخرى على نشر الروح الفردية أن سلطة الأسد وخلال 47 عام بين 1963 و 2010 لم تبني مسارح ولا دور سينما، بل ضيقت عليها إلى أن تحول العديد من دور السينما الى محلات تجارية، وكان تأسيس دار الأوبرا في دمشق هو المبنى الوحيد الذي شيدته هذه السلطة ووضعته تحت رقابة أمنية صارمة، بينما بنت بالمقابل مراكز ثقافية حكومية في كل منطقة أو ناحية في سورية تعمل تحت رقابة أجهزة الأمن وتقدم ثقافة معلبة بعلب سلطوية. وبالمقابل شجعت انتشار التلفزيونات وانتاج الدراما السورية وتساهلت حتى مع دخول الساتيلايت كي يبقى افراد العائلة في البيت يجلسون الى جانب بعضهم صامتين، بدلًأ من أحاديثم المشتركة، يشاهدون برامج التلفزيون ومسلسلاته وأخباره التي يجب أن تبدأ بخبر وصورة عن حافظ أسد أي كان الخبر. في هذا المناخ الأمني نمت الفردية، وأصبح السوري يبتعد عن أي عمل منظم ويشتبه في كل من يدعو له.

تغليب الجزء على الكل، والثانوي على الرئيسي

ثمة عامل آخر له جذر في ثقافتنا نحن السوريين بل والعرب عمومًا، يؤدي بنا للنفور من بعضنا لأسباب ثانوية، ويجعل عملنا المشترك أمرًا صعبًا، ويأتي ذلك بسبب الأحكام العرجاء التي نقيم بها السوري الآخر ورد فعلنا المبالغ فيه على أخطاء الآخرين الصغيرة. حيث نغلّب الجزء على الكل والثانوي على الرئيسي، أي نرفض الشخص الآخر بكليته إن رأينا به خطأ صغيرًا أو اشتبهنا او ربما سمعنا بأنه قد ارتكب خطًا ما أو فَعَلَ أمرًا لا نقرُّه عليه، متناسين صفاته وأعماله الأخرى. وننطلق بأحكامنا القاسية على بعضنا لمجرد أخطاء بسيطة أو قول لم يعجبنا من شخص آخر، أو توتر نشأ لأي سبب صغير أو كبير، فنرمي بعلاقتنا بالآخر، وأحيانًا بأحد الأصدقاء. ونسرع في تصديق النميمة وترويج الإشاعات ونرغب في تداولها مع ميل للتفسيرات السلبية دائمًا. وهذا يفسر انتشار فيديوات لبعض الشتامين الذين لا هم لهم سوى شتم كل شيء وشتم جميع الآخرين مخترعين حكايات وأخبار ومعلومات وروايات من مخيلاتهم الخصبة.

أذكر ذات مرة، وكنت في المدرسة الإعدادية، أن الأستاذ قد رسم نقطة سوداء على ورقة بيضاء وسألنا ماذا نرى، فقلنا نقطة سوداء فعلق: إذن أنتم لم تروا الورقة البيضاء رغم أنها أكبر من النقطة السوداء بمئة مرة ثم بدأ يحدثنا عن الأخطاء الصغيرة والنظر اليها بموضوعية، ثم قال لنا “يجب ألا تحجب الأشجار عنا الغابة” وشرح معناها ثم شرح لنا بيت بشار بن برد:

إذا أنتَ لَمْ تَشرَبْ مِرارًا على القَذَى ……. …… ظَمِئْتَ وأيٌ الناسِ تَصفوْ مَشَارِبُهْ

ومَنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كُلُّها ………… كَفَى المرءُ نُبْلاً أنْ تُعَدّ مَعَائبُهْ

يتبع …………….

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: