“السلطة” الغول

“السلطة” الغول

مشاركةFacebookX

(1)

الغول الذي يلتهمنا!

انبثقت السلطة من ضرورات الاجتماع البشري وتنظيمه، وتبلورت مع تبلور المجتمع البشري، ولكنها في معظم التاريخ تحولت إلى غول ابتلع المجتمع، والمشكل أنه لم يكن ثمة مهرب من هذا الغول الذي لا يقوم المجتمع البشري بدونه.

السلطة التي نقصدها هي السلطة السياسية التي تتمركز بيد فرد، أو نخبة تنتظم في مؤسسات السلطة العليا، وتملك الحق في اتخاذ القرارات وإعطاء الأوامر والعمل على إنفاذها، وفرض إطاعتها، وتمتلك حق استخدام العنف في المجتمع حصريًا (الجيش والشرطة) ضمن حيز سلطتها، وهو الدولة المتعينة، والدولة حيز جغرافي من الأرض، يقيم عليه شعب، ينظم حياته وفق نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، تديره سلطة في هذه الدولة.

عبر التاريخ كانت القاعدة: “اقبض على السلطة، تقبض على كل شيء في المجتمع، وتصبح كلي القدرة، تستطيع أن تفعل ما تشاء، فمن يقبض على السلطة يعين الوزراء والمديرين، ويصدر التشريعات التي تنظم  حياة الدولة أفرادًا ومجموعات، ويحدد الممنوع و المسموح، يقرر سياسات  الرواتب والضرائب وسبل إنفاق الموازنة العامة، يمنع الحريات أو يطلقها، ينمي التعليم أو يخرّبه، ينمي الصناعة أو يحبطها، ينمي الاقتصاد أو يخربه، يكافح الفساد أو ينميه، يقيم المشروعات على نحو صحيح أو خاطئ أو فاسد، ينمي الإبداع أو يحشرنا في زواريب الاتباع، ينمي أرواحنا أو يزرع الكآبة فيها. إنه يتحكم بكل تفاصيل حياتنا.

عبر التاريخ كان الأبرع والأشد نباهة وقدرة على الخداع، والأكثر انتهازية  وأنانية وقسوة اطباع، هو من يفوز بالسلطة ويحتفظ بها. وقد كان الاحتفاظ بالسلطة أصعب من السطو عليها أو الفوز بها عنوة. كان يكفي أن يقتل الأخ أخاه ليحل مكانه في المُلْكْ، أو يقتل قائد الجيش الملك وينصب نفسه ملكًا، أو أن تغزو قبيلة ما قبائل أخرى؛ موسعةً سيطرتها، ومتحولة إلى مملكة واسعة، وفي جميع الحالات كان المُلْكْ ينتقل من الأب إلى الابن إلى الحفيد، ويستمر في السلالة إلى أن يأتي مغتصب آخر للسلطة. أما الشعب فلا تأثير له، فقد كان عامة الناس لا رأي لها، وكان يطلق عليها الرعاع، والسوقة، والدهماء، وسواد الناس، إلى آخر هذه التسميات التي تشي بماهية تلك المجتمعات.

خلال نصف القرن الماضي، أو أكثر، لم يختلف الأمر كثيرًا، في معظم بلدان العالم الثالث، عما كان عليه الأمر من قبل؛ إذ يستطيع شخص مدعوم بمجموعة عسكرية، أو حزب فاز في انتخابات “ديمقراطية” مزورة، أن يستولي على السلطة، ويمتلك حقًا مطلقًا بأن يفعل بالشعب ما يريد، وتخضع له، بطرفة عين، مؤسسات الدولة كافة، من حكومة ووزارات ومؤسسات وهيئات وشرطة وجيش وسجون، ويستطيع أن يقلب المجتمع بكامله، وقد يكون نحو الأفضل، ولكنه جرى غالبًا نحو الأسوأ، في حين يدير مياه السلطة نحو المصالح الذاتية للنخبة الحاكمة، أو للحزب، أو للطبقة التي يمثلونها، وذلك بحسب قوة النخبة الحاكمة، أو ضعفها ومدى خضوعها لضغوط الآخرين والحاجة إلى دعمهم.

بلداننا، وسورية من بينها، عانت من الاستيلاء على السلطة من مغامرين كثر، سعوا للسطو عليها، ومصادرتها، والسير بالبلاد وفق أهوائهم. بدأت الحكاية باكرًا في سورية منذ 1949، دون أن تتوقف تقريبًا، مع فسحة قصيرة ديمقراطية بين شباط/ فبراير 1954، إذ جرى الانقلاب على الشيشكلي و شباط/ فبراير 1958، عندما قامت الوحدة، ومن أقام الوحدة حفنة من الضباط، ولم يستشيروا السوريين في ما فعلوه، وانتهت بانقلاب عسكري في أيلول/ سبتمبر 1961، مفسحًا الطريق أمام ديمقراطية هشة. ولكن سرعان ما جاء مغامرون جدد في 8 آذار/ مارس 1963؛ إذ قامت مجموعة صغيرة تضم بضع عشرات من ضباط الجيش المغامرين بانقلاب عسكري في سورية، استولوا -بموجبه- على الإذاعة، وأذاعوا البلاغ رقم 1، بعد أن سيطروا على الأركان والقصر الجمهوري، واعتقلوا بضعة أشخاص، هم قادة سورية المنتخبون آنذاك. هذه العملية البسيطة (في جانبها الإجرائي)، وضعت السلطة في أيدي الانقلابيين، ولم يحتاج الأمر إلى أكثر من بضع عشرات من الضباط المغامرين وبضع مئات من الجنود  وبضع ساعات، ولكن ما ترتب على هذا الانقلاب من نتائج كان هائلًا.

الحكام الجدد أزالوا الحكام القدامى، وأزالوا أيضًا طبقات اجتماعية كاملة بجرة قلم، فقد أصدروا أمرًا بتأميمات واسعة للمصانع والشركات والبنوك، وصادروا ملكيات الأرض الكبيرة، ومركزوا الاقتصاد في يد الدولة، وغيروا الاتجاه السياسي والاقتصادي والتركيب الاجتماعي لسورية، وقد أزالوا طبقات سائدة، وأحلوا محلها طبقات أخرى، وتحكموا بمصير خمسة ملايين سوري، هو تعداد سورية آنذاك، تحت اسم ثورة وشرعية ثورية، ودون أن يأخذوا آراء السوريين، نعم؛ كل هذه التغييرات في حياة خمسة ملايين سوري، دون ان تؤخذ آراؤهم، واستمر الأمر على هذا المنوال.

في مصر حدث مثل هذا سنة 1952، وفي العراق سنة 1958، وسنة 1963، وسنة 1968، وحدث في ليبيا سنة 1969، وحدث عدة مرات في اليمن، وهو يعاني من نتائجها اليوم، وحدث في السودان عدة مرات أيضًا، كان آخرها انقلاب البشير سنة 1989، ومازال يقبض على تلابيب السلطة إلى يومنا هذا،  رغمًا عن إرادة السودانيين.

الاعتراض بأن السلطات التي قامت عليها تلك الانقلابات سلطات فاشلة ومستبدة ومتسلطة، وأن للانقلابيين نيات حسنة، وأن تلك الانقلابات قد حققت منجزات مهمة؛ اعتراض وجيه، ولكن، كثيراً ما كانت الطريق إلى جهنم مرصوفة بالنيات الحسنة، إضافة إلى أن النية الحسنة لا تنفع في غياب الخبرة، من جهة، فضباط الجيش للحرب، وليسوا للحكم، هذا ما علمته لنا دروس مجتمعنا، ودروس المجتمعات المتقدمة اليوم، ثم لا تلبث النيات الحسنة أن تتحول إلى سيئة؛ بفعل إغراءات السلطة.  والأمثلة عن انقلابات حميدة قليلة، إن لم تكن نادرة، ومعظمها فاشل، وأحدث الدمار وجلب الكوارث.  وبغض النظر عن تقييمها في زمانها، فإن ذلك  الزمان قد مضى وانقضى إلى غير رجعة. ونحن الآن في عصر جديد. فأي سلطة نحتاج؟

(2)

كي لا يلتهمنا غول السلطة!

السبب في هذه الكوارث السلطوية هو طبيعة التنظيم الاجتماعي والسياسي القائم، والثقافة السائدة التي تسمح وتتيح لمجموعة من المغامرين بالاستيلاء على السلطة، والتحكم بها على هواهم، دون حسيب أو رقيب، وكون هذه السيطرة تتم بسهولة ويسر، ولا تتطلب سوى حفنة من المغامرين يقودون مجموعة جنود، ويستخدمون بعض الأسلحة، ويسيطرون على الإذاعة، ويذيعون البلاغ رقم 1.

ولكي تتوقف السلطة عن التهامنا، يجب أن تنتهي حكاية “البلاغ رقم 1″، وتبعاته، ولأن السلطة تحدد مصائرنا وأقدارنا؛ لذلك، فإن إغفال الشعب لها، يفسح في المجال أمام المغامرين في السطو عليها، بأساليب خشنة (بالسلاح)، أو بأساليب ناعمة، بانتخابات مزورة أو مدارة [موجَّهة]. والسلطة كقمرة القيادة التي لا بد منها، ولكن ما يشكل الفرق هو بين أن تكون قمرة قيادة طائرة أو قمرة قيادة قطار؛ فمن يسيطر على قمرة قيادة طائرة يمكنه أن يحرف اتجاهها أنى يشاء، مع قدرة معدومة من الركاب في السيطرة عليه؛ لأن أي مسعى للسيطرة عليه يؤدي -في الأغلب- إلى سقوط الطائرة وتحطمها، بينما سائق القطار لا يستطيع أن يحيد عن السكة، وتأثيراته على مسار القطار محدودة، وتمكن السيطرة عليه بسهولة، دون مخاطر تذكر. من هنا؛ نسمع عن اختطاف طائرات، ولا نسمع عن اختطاف قطارات. ومن ثَم؛ السؤال: كيف نجعل السلطة قطارًا يحدد الشعب سكته، وليست طائرة قابلة للاختطاف؟

لا يكفي أن نقول إن التجارب العالمية قد أثبتت -اليوم- أن “النظام الديمقراطي العصري الحديث” هو أفضل ما توصلت إليه البشرية لإدارة المجتمعات، ويقوم على تداول السلطة في مُناخ من الحريات العامة، في التعبير والتنظيم وفصل السلطات، وسيادة القانون ونمو المجتمع المدني القوي، والإعلام الحر غير المسيطر عليه لا من السلطة ولا قطاع الأعمال؛ فكل هذا صحيح، ولكنه “شرط لازم غير كاف”؛ فثمة بلدان كثيرة في عالمنا الثالث يسودها -اليوم- “نظام ديمقراطي وانتخابات حرة”، ولكنها ليست بحرة، ولا هو بديمقراطي، والأمثلة كثيرة. بل حتى الأنظمة الديمقراطية في البلدان المتقدمة، ليست المثال النقي أو المثالي، ولكنه يبقى النظام الأفضل -على الاطلاق- إلى يومنا هذا. وهو يشبه منتجات العلم والتكنولوجيا، بمعنى أنه نظام يجري تطويره باستمرار، وتوجد منه نسخ ونماذج عديدة، ولكنها تشترك في الجذر، وهو تداول السلطة، وفق إرادة الشعب صاحب السلطة والمرجعية.

الجوهري في الديمقراطية هو مدى تمثيلها لإرادة الناس، وهذا لا يمكن اختصاره بالنص على مبدأ سيادة الشعب وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، وممارسة الاقتراع مرة كل سنتين أو أربع أو سبع، بل يتحقق عبر جملة من معايير كثيرة، تتطور كل يوم؛ لتجعل السلطة أكثر تمثيلًا وخضوعًا لإرادة ناخبيها، وخضوعًا لمحاسبتهم، ويمكن -هنا- أن نورد المفاصل الرئيسة التي نستنتجها من تجاربنا المريرة، وتجارب ديمقراطية عالمية، ونعتقد أنها تلائم سورية المقبلة:

  • قوة المجتمع ومؤسساته في مواجهة قوة السلطة قبل كل شيء، مجتمع مدني حيوي قوي، منظم على نحو جيد، مفعم بثقافة ديمقراطية عصرية، مجتمع نشيط مستعد دائمًا للدفاع عن حقوقه، ومنع أي تغول للسلطة في المستويات كافة، لا باسم “شرعية ثورية”، ولا باسم “شرعية دينية”؛ وهو الشرط الأهم الذي يقوّم أي اعوجاج.
  • طبيعة التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وطبيعة تنظيم السلطات، وطبيعة مؤسسات الحكم وصلاحياتها ووظائفها، كما يحددها الدستور وتترجمها القوانين، يجب أن تتيح محاسبة السلطة -كل يوم- على الصعد كافة، والقدرة الدائمة على سحب التفويض الممنوح من الشعب للسلطة والقدرة على إزاحتها في كل وقت،
  • أن يكون النظام من جوانبه المختلفة مركزيًا في الحد الضروري فحسب، وأن يُفوَّض كثير من السلطات والصلاحيات في إدارة الحياة العامة للسلطات المحلية، قدر الامكان، وخاصة في القضايا الاجتماعية والخدمية والاقتصادية، وهذا موضوع تقني يحتاج إلى كثير من الدرس والتمحيص في كل حالة. اللامركزية -هذه- تمنع مركزة السلطة وتغولها، وتجعل إرادة الناس في مستوى القاعدة فاعلة، وذات تأثير في إدارة شؤونهم. ولكن؛ يجب أن تكون “لامركزية صلبة”، وليست رخوة تجعل عقد البلاد ينفرط، مثلما تقترح مسودة الروس للدستور السوري، ولا أعلم ما علاقتهم بوضع دستور لسورية، على الرغم من تبجّح قادتهم الدائم بأن الشعب السوري هو صاحب القرار،  فلم تفعل فرنسا مثل ذلك يوم كانت تحتل سورية.
  • النظام البرلماني وليس الرئاسي هو النظام الأكثر ديمقراطية، ويفسح أكثر أمام نفاذ الإرادة الشعبية، بما هو عليه من جعل الوزارة صاحبة السلطة تحت رقابة البرلمان، على الرغم من أنه يفسح في المجال أمام بروز صراعات أكثر من النظام الرئاسي، ولكنه أكثر ديمقراطية منه، إذ لا يمنح فردًا واحدًا صلاحيات استثنائية. على أن لا يحق لمن احتل مواقع الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة البرلمان) أكثر من دورتين، كل منهما خمس سنوات متتاليتين أو غير متتاليتين.
  • أن يكون توزيع الثروة أكثر عدلًا، وألا يكون ثمة فروقات كبيرة في الدخول، وألا يوجد أغنياء كبار في البلاد، يسيطرون على الإعلام والأحزاب، ويشترون الأندية الرياضية، ويمولون حملات انتخابية تحقق النجاح. وإن كان هذا الشرط مازال بعيد المنال، ولكنه يوجه نشاط الناس باتجاه تنظيمات سياسية، تحد من سيطرة رأس المال على الحياة العامة، وينمي تنظيمات اقتصادية تقلص الفوارق، وتوسع الطبقة الوسطى تدرّجًا؛ لتكون الشريحة الأوسع في المجتمع.

(3)

انقلاب مفهومات:

لكي نستطيع إنجاز هذا التحول في أرض الواقع، فإننا نحتاج إلى ثورة في عقولنا، ثورة في مفهوماتنا، ثورة تصحح مفهومات كثيرة، فتقلبها من الوضع التاريخي المغلوط، لتضعها على الطريق القويم الذي يتلاءم مع روح العصر. ثورة تقلب المفهومات، فتقلب مفهوم “السلطة تفويض من الله” إلى مفهوم “السلطة تفويض من الشعب”، وتقلب مفهوم “السلطة تؤخذ غصبًا”، إلى مفهوم “السلطة تفويض تفويضًأ محددًا ومشروطًا “، وتقلب مفهوم “السلطة تملك الشعب” إلى مفهوم “الشعب يملك السلطة”؛ وتقلب مفهوم “الشعب  في خدمة السلطة”، إلى مفهوم “السلطة في خدمة الشعب”؛ وأن تقلب مفهوم أن “موظف السلطة سيد، وأفراد الشعب خدم”، إلى مفهوم “موظف السلطة خادم، والشعب سيده”؛ وأن تقلب مفهوم “الشعب يعيش بعطاءات السلطة أو القادة”، إلى أن “السلطة والقادة يعيشون من عطاءات الشعب”؛ وأن تقلب مفهوم “الرعية” و “الرعاع” و “السوقة”  و “الدهماء” و “سواد الناس”، إلى مفهوم “الشعب سيدٌ في أرضه ووطنه ويملك مصيره”.

والانقلاب الأكبر هو استعداد الشعب لرفض أي استيلاء تعسفي على السلطة، وأن يكون مستعدًا للمقاومة دفاعًا عن حقوقه، فإما أن ينهي الشعب أي إمكانية لاغتصاب السلطة مستقبلًا، وإما أن ينتهي الشعب نفسه، فالشعب الذي تُغتصَب سلطته،  ويصمت، شعب ميت، وليس ثمة خيار آخر.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: