“الاقتصاد السياسي تحت حكم العسكر – الحالة السورية” في ندوة لحرمون

“الاقتصاد السياسي تحت حكم العسكر – الحالة السورية” في ندوة لحرمون

مشاركةFacebookX

عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة عبر البث المباشر، يوم الثلاثاء 18 آب/ أغسطس 2020، ندوة بعنوان “الاقتصاد السياسي تحت حكم العسكر –الحالة السورية“، شارك فيها من إسطنبول سمير سعيفان، مدير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، وأدارها باسل العودات، مدير الإعلام في المركز.

سلطت الندوة الضوء على مرحلة صعود المؤسسة العسكرية في سورية، وعلى عهد الانقلابات العسكرية المتتالية، وصولًا إلى آخر انقلاب قاده حافظ الأسد عام 1970، وعلى المعاناة التي واجهها السوريون من الاستبداد العسكري، و”تطييف” المؤسسة العسكرية والأمنية، و”ترييف” الجهاز الإداري للدولة، والتغيرات السياسية والاجتماعية العميقة التي مرت بها سورية خلال تلك الحقبة، وتأثير ذلك على تكوين النخب الرأسمالية التي نمت خلال مرحلة حكم الأسدين الأب والابن.

بدأت الندوة بالحديث عن وضع سورية في الستينيات، وخصوصًا عام 1963، والتغيرات الاقتصادية التي أعقبت تلك المرحلة. وأشار سمير سعيفان إلى أن المرحلة التي أعقبت انقلاب عام 1963 تمثل عصب أو جذر المشكلة في سورية، بسبب التغييرات التي أحدثها انقلاب 8 آذار، على عكس كل الانقلابات التي سبقته إذ لم تكن تُحدِث أي تغيير في بنية المجتمع أو السياسيين، بل كان يتم إعادة تدويرهم. وأضاف: “عملت السلطة العسكرية التي أتت إلى الحكم بعد انقلاب 8 آذار -وكان قوامها ضباط صغار وينتمي أغلبهم للأرياف- لتجريد العائلات التي كانت مسيطرة في سورية من سلطتها السياسية، ومن ثَمّ لتجريدها من قوتها الاقتصادية، عبر تأميم الشركات والبنوك ومصادرة الملكيات الكبيرة، وهذا الأمر أفقدها في المحصلة سلطتها الاجتماعية، وأصبحت هناك واجهات جديدة تتمثل في قيادات حزب البعث وقيادات الأمن. التحول الكبير الآخر الذي حدث كان عندما قامت الدولة بالسيطرة على الملكيات والأراضي والشركات الكبيرة، وحولت الاقتصاد من اقتصاد سوق، قائم على المنشآت التي يتبع كل منها لعائلة معينة، إلى اقتصاد بيروقراطي جدًا، فصار أشبه بالجسم الثقيل المربوط ببعضه، إضافة إلى استبدال القائمين على إدارة هذه المنشآت والشركات -وهم من ذوي الخبرة- بموظفين بعثيين لا يملكون أي كفاءة على الإطلاق، وهذا كله أدّى إلى خلق مشكلة سياسية واقتصادية، وهي بدورها أنتجت فيما بعدُ عددًا من المشكلات”.

وتطرقت الندوة إلى الوضع الاقتصادي في سورية بعد استلام حافظ الأسد الحكم إثر انقلاب عسكري، والوعود التي أطلقها بأن سيكون النظام منفتحًا اقتصاديًا، ومدى مصداقية هذا الانفتاح. وذكر سعيفان أن حافظ الأسد أطلق كثيرًا من الوعود على الصعيد السياسي والاقتصادي جعلته يحظى بشعبية كبيرة، فعلى الصعيد السياسي أبدى الأسد الأب استعداده للاعتراف بقرار الأمم المتحدة رقم 242، ودعا إلى إيقاف تأميم مزيد من الشركات والأراضي من أجل توحيد جميع الأطراف بعد عدوان حزيران 1967، وقد حظي هذا الطرح بتأييد وترحيب من أبناء العائلات التقليدية في المدن. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد وعد حافظ الأسد بأنه سيقوم بفتح الاقتصاد أمام القطاع الخاص. وأضاف سعيفان أن حافظ الأسد لم يكن من مصلحته أن يسمح بعودة الرأسمالية وأن تنمو كما كانت في السابق، لأنها تشكل خطرًا عليه، لذلك قام بفتح الاقتصاد أمام القطاع الخاص بشكل محدود، لكنه يسمح بكسب ولاء العائلات المدنية له.

وناقشت الندوة الأسباب التي أدت إلى حدوث أزمة اقتصادية خلال مرحلة الثمانينيات، وأثرها على المجتمع السوري، وأرجع سعيفان أسباب ذلك إلى السياسات الاقتصادية التي اتُبعت بعد انقلاب 8 آذار، الذي قام بتضخيم أجهزة الأمن والجيش والموظفين، وقد أدى ذلك إلى استهلاك جزء كبير من عائدات الدولة، وأضعف القدرة الاقتصادية للاقتصاد السوري. وأضاف: “في الثمانينيات ارتكب حافظ الأسد خطأ كبيرًا عندما تحالف مع إيران وأيّد الخميني ضد صدام حسين في العراق الذي يحكمه حزب البعث أيضًا، وهذا الأمر أحدث غضبًا كبيرًا في الشارع السوري، خصوصًا في المناطق الشرقية، وأدى ذلك أيضًا إلى توقف دول الخليج عن دعم سورية وعن إرسال الأموال، وتحول اقتصاد سورية إلى اقتصاد بيروقراطي متضخم وغير منتج، ونشأت أزمة اقتصادية في البلاد”.

واستعرض سعيفان العوامل التي أدت إلى تجاوز النظام للأزمة الاقتصادية مطلع التسعينيات، وكان أولها اكتشاف النفط في محافظة دير الزور، وهو الأمر الذي أدى إلى إمداد خزينة الدولة بموارد إضافية، وبخاصة العملات الأجنبية. العامل الثاني كان في تحالف حافظ الأسد مع الولايات المتحدة ضد صدام حسين في حرب الكويت 1990، وقد تلقّى مساعدات من دول الخليج مقابل ذلك. أما العامل الثالث فكان فتح الاقتصاد أمام القطاع الزراعي، وتشجيع النظام للزراعة، وقيامه بشراء المنتجات الأساسية كالقمح والقطن بأسعار جيدة من المنتجين والفلاحين، وتحولت سورية من بلد مستورد للقمح إلى بلد مصدّر. من جانب آخر، أشار سعيفان إلى حالة الفساد التي كرّسها حافظ الأسد من أجل الحفاظ على وجوده في السلطة، وتنامت تلك الحالة أكثر في عهد بشار الأسد، وبيّن أن الفساد كان أحد استراتيجيات النظام الأساسية للاستمرار في السيطرة على الحكم، فأطلق يد المسؤولين الكبار وقيادات الجيش، ومنحهم حرية ممارسة ما يريدونه من أجل تكوين ثروات مالية كبيرة، وتنامى الفساد وأصبح يُمارس على مستوى الموظفين الصغار الذين لا يملكون وسيلة لتكوين ثروة إلا عن طريق الرشوة والفساد.

وفي الجزء الثاني من الندوة، تحدث سعيفان عن وضع الاقتصاد السوري بعد استلام بشار الأسد الحكم، وعن تقديمه وعودًا كثيرة في مجال الإصلاح الاقتصادي، وبث الأمل في قلوب السوريين الذين قبلوا بعملية التوريث التي حصلت، من أجل الحفاظ على استقرار البلاد. وأشار إلى أن معظم القرارات التي اتخذها الأسد الابن في بداية حكمه كانت قوانينها جاهزة منذ عهد أبيه حافظ الأسد. وأضاف: “كانت خطط النظام غير المعلنة تهدف إلى فتح الاقتصاد ليبراليًا، بما يلبي مصالح الرأسمالية الجديدة النامية، وبدأ منذ عام 2004 بالسماح بفتح البنوك الخاصة وشركات التأمين، ووقّع عددًا من الاتفاقيات مع تركيا عام 2005، واتفاقية تحرير منطقة التجارة الحرة، وفعّل المفاوضات مع أوروبا حول اتفاقية الشراكة، وعدّل القانون الذي يحمي المستثمر الزراعي والمزارع، وعدّل أيضًا قانون الإيجار، وجميع تلك الإجراءات كانت تحمل توجهًا ليبراليًا، وحظيت تلك الإجراءات بتأييد صندوق النقد الدولي”.

وفي الختام، تحدث سعيفان عن دور الاقتصاد في اندلاع الثورة السورية عام 2011، بسبب ارتفاع معدلات الفقر، والتفاوت الكبير في المستويات المعيشية، والتخلي عن شبكة الضمان الاجتماعي التي جرّدت العمال والمزارعين من حقوقهم، والاعتداء على ملكيات الناس وحقوقهم، مبيّنًا أن الثورة السورية كانت اللحظة التي تضافرت فيها جميع العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودفعت الناس إلى التظاهر.

وفي نهاية الندوة أجاب الضيف على أسئلة المتابعين وتعليقاتهم.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: