الأديان هي أحزاب المجتمعات القديمة

الأديان هي أحزاب المجتمعات القديمة

مشاركةFacebookX

تبقى الصراعات الدينية صادمةً في القرن الحادي والعشرين، بعد كل هذا التقدم العلمي والتقني. ومشكلة هذا النوع من الصراعات، ومعظمها اليوم في منطقتنا، أنها تأخذ أشد أشكال الصراع وحشية وأكثرها دموية، فلا يشفي غليل المقاتل الديني سوى مزيد من القتل والدم، على الرغم من الزعم بأن الأديان تدعو إلى المحبة والتسامح والسلام.. وإلى آخر هذه الأغنية التي يغنيها كل مقاتل ديني عن دينه، مع اتهام أديان الآخرين بكل قبيح.

ليست غايتي الدخول في مناقشة قضايا دينية، ولكن دفعني هذا الواقع المرعب إلى التفكير بطريقة تجتث دوافع هذا الاقتتال والوصول إلى شكل آخر من التعامل والتفاهم. وقد وجدت في روح تفكير القرن الواحد والعشرين ضالتي، فسمته العامة هي الديمقراطية والتعايش، رغم الاختلاف، بعد انفتاح العالم واختلاطه بدرجة غير مسبوقة، وبما يزيد آلاف المرات عما كان عليه حال تلك المجتمعات التي بزغت بين ظهرانيها تلك الأديان القديمة جميعها. فمن لم يذهب اليوم إلى العالم، فإن العالم يأتي إليه أينما كان، عبر التلفزيون والإنترنت ووسائل التواصل والمنتجات التي يستهلكها والأدوات التي يستخدمها والتي أنتجتها مجتمعات أخرى ذات عقائد أخرى مختلفة قليلًا أو كثيرًا.

والفكرة الملموسة هي فهم الأديان والتعامل معها على أنها “أحزاب المجتمعات القديمة”، فهذا ما يتيح اجتثاث التطرف منها، فقد كانت الأديان قديمًا مؤسسات لتأطير العمل المجتمعي، واللاحم أي الملاط الذي احتاجته لبنات تلك المجتمعات القديمة كي تتماسك، وهو الدور ذاته لها جميعًا، سواء كانت أديان سابقة لما يسمى أديانًا سماوية في منطقتنا، أو الأديان السماوية ذاتها التي نشأت في منطقتنا، وبدأها فرعون مصر أخناتون، وبعد مقتله أكملها قائده العسكري “موسى” من بعده كما يظن، والمسيحية على الرغم من أن فكرتها يهودية، ولكنها اختلفت معها جوهريًا وعاكستها؛ فأصبحتا ديانتَين مختلفتَين في كل شيء، والإسلام أخذ من المسيحية في فترته الأولى في مكة، ثم بعد أن أصبح سلطة في المدينة، أخذ أكثر من اليهودية، ولكن أخذ الكثير من القيم والعادات والأعراف والطقوس التي سادت بين القبائل العربية آنذاك في الحجاز، أو الأديان الأخرى مثل البوذية والهندوسية والشنتو وغيرها من أديان لا تزعم أن مصدرها “السماء”، وجميعها أخذت عن بعضها وعدّلت وأضافت، بحسب ما رَآه “الأنبياء” الذين أفلحوا في نشر دعواتهم، بينما أخفق “أنبياء” غيرهم، عاصروهم أو سبقوهم أو تأخروا عنهم.

نعم الأديان هي أحزاب المجتمعات القديمة، وهذا كان دورها. أما الجانب الروحي وعلاقة الفرد بـ “الخالق”، فهي أداة الترهيب والترغيب التي دفعت الفرد باتجاه الدين، وقد وجد الحكام في الدين أداة نافعة لا بدّ منها لحكم تلك المجتمعات القديمة؛ وهنا تحولت الأديان إلى مكبس هائل يشكل الفرد في المجتمع وفق قالب معين موحد قدر الإمكان، كي يكون بالإمكان حكمه. وقديمًا كنا نجد، في حي المدينة أو القرية، تحالفًا أو تنافسًا بين مالك الأرض والمختار ورئيس المخفر ورجل الدين، للسيطرة على أفراد الحي أو القرية.

فكرة وحدانية الحاكم ووحدة الأمة بما يساعد الحاكم الواحد في حكمه هي التي كانت وراء فكرة وحدانية الإله ووحدانية الدين في الدولة، فتعدد الأديان في المجتمع يشبه تعدد الأحزاب اليوم، بما يحمله هذا من قابلية الانقلاب على الحاكم، وفرض دين واحد على الجميع قديمًا غايته هي غاية الحزب الواحد ذاتها اليوم. وكان الحكام يستعملون الأديان كمطية لغايات فرض السيطرة، وقد جرى هذا عبر التاريخ، وفتوحات قبائل الجزيرة العربية لنشر الإسلام كانت غايتها إقامة دولة مسيطرة نجحت في التحّول إلى إمبراطورية، وحروب الفرنجة التي سماها الأوروبيون “الحروب الصيليبية” كانت غايتها السيطرة على مناطق الشرق الغنية. وهذا ما نراه اليوم بأوضح صوره في سلوك إيران التي تؤجج الخلاف السني الشيعي لغاية في نفس القوميين الفرس.

الجوهري في فكرة اعتبار الأديان “كأحزابٍ للمجتمعات القديمة” هي أن تسود في عصرنا الحاضر “حرية الاعتقاد الديني”، أي أن يتمّ الانتماء للأديان والانسحاب منها، بالمرونة والاعتبار نفسه الذي يتم في الأحزاب السياسية أو الجمعيات المجتمعية اليوم، بمعنى أن لكل فرد الحق في تغيير دينه الذي ورثه عن والديه حين يبلغ الثامنة عشر، وأن يكون له حق تغييره كلما أراد ذلك، أو أن يعلن نفسه شخصًا “لا ديني”. فهذا وحده ما يناسب عصرنا وما يخلّصنا من التعصب الأعمى، وإلا فلا معنى لعبارة “حرية الاعتقاد” التي توضع في دساتير اليوم.

في الواقع، إن البلدان المتقدمة جميعها تأخذ بهذا المبدأ قانونيًا وقبولًا اجتماعيًا وممارسةً واسعة، وقد حققت تقدمًا كبيرًا، بينما ما زالت مجتمعاتنا مستمرة بالاعتماد في كل شيء على تلك المجتمعات المتقدمة “الكافرة”، تستورد منها كل شيء عدا ما يفيدها من روح تسامح تلك البلدان. ولكن ليس أمام بلداننا سوى هذا الطريق، أي أن تنظر شعوبنا إلى الأديان على أنها أحزاب المجتمعات القديمة، وأن تطبق عليها منطق الأحزاب الحديثة ذاته، وأعتقد جازمًا أن على بلداننا أن تسلك هذه الطريق عاجلًا، لأنها ستسلكه آجلًا، بعد دفع كلف باهظة.

عندما يشيع اعتبار الأديان “أحزاب المجتمعات القديمة” وتصبح ثقافة مجتمعية، ستتوقف الحروب الدينية؛ لأن مستغلي الأديان سيصبحون عاجزين عن تحشيد الناس وزجهم في حروب دينية لغايات دنيوية.

شبكة جيرون الإعلامية

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: