أي عالم نريد أن نعيش فيه؟
اي عالم نريد أن نعيش فيه

أي عالم نريد أن نعيش فيه؟

مشاركةFacebookX

تكثر التنبؤات والتوقعات حول الآثار التي سيتركها انتشار وباء كورونا على مختلف مناحي الحياة، وتذهب الخيالات بعيدًا أو قريبًا، خاصة وأن الإجراءات الواسعة والشاملة وغير المسبوقة في التاريخ حديثًا أو قديمًا، قد شلت الحياة في جميع دول العالم تقريبًا، أو على الأقل في الدول الكبرى الأكثر أهمية والأكثر فاعلية في كل جانب من جوانب الحياة، سواء كان بسبب حصتها من الاقتصاد العالمي، أو حصتها من الصادرات، أو تحكمها بأسواق المال والأعمال والسلع والاستثمارات، أو موقعها السياسي الحاكم إضافة لامتلاكها التكنولوجيا والأسلحة الفتاكة والجيوش، حيث تستطيع أن تفرض، عبر قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إراداتها على بقية دول العالم، التي تنصاع لها، أو تقلدها وتتبع نهجها فيما تفعل، ومثالنا الأخير هو اتباع إجراءات كورونا الشاملة والحجر الشامل غير المسبوق على الناس وتعطيل الحياة الذي يتبعه العالم أجمع، فلو كانت دولة صغيرة في العالم هي من واجه كورونا بمثل هذه الإجراءات في البداية، لكانت الآن موضع سخرية الدول الكبرى ووسائل إعلامها، ولكن لأنها الصين الكبرى التي تنافس على الموقع العالمي الأول في كل شيء، فقد هرعت دول العالم المتقدمة لتتبع النهج الصيني، بعد تردد دام قرابة ثلاثة أشهر، ولكنها أخذت به في النهاية، فتبعتها جميع دول العالم الثالث والرابع والخامس دون أن تدرس إن كانت تلك الإجراءات هي الإجراءات الفعالة والمناسبة أم غيرها.

تأثيرات مؤكدة على الاقتصاد

من الآثار المباشرة والواضحة هي تأثيرها على المعدلات السنوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي، وهو المؤشر الرئيس للأوضاع الاقتصادية، فإيقاف جزء كبير من نشاط الأفراد والمؤسسات الخاصة والحكومية، يؤدي لتراجع الانتاج وأيضا تراجع الاستهلاك عمومًا مما يقلص الطلب، ويؤدي لتعطيل كبير في الطاقات الاقتصادية، الصناعة والتجارة والنقل والسياحة وغيرها من قطاعات الاقتصاد. ويعد مؤشر أسعار النفط من أهم المؤشرات وأكثرها دلالة لأن الطاقة ملازمة لكل إنتاج وكل نشاط بشري، فقد تدهورت الأسعار اليوم الى 18.5 دولار أمريكي للبرميل، وهو أدنى سعر يصله البرميل خلال ال 18 عام الأخيرة. وفي حال استمرت الأسعار متدنية سيكون لها آثار مدمرة على البلدان المصدرة للنفط، مثل بلدان الخليج والعراق والجزائر وليبيا وايران وروسيا أيضًا.

يتوقع أن ينتج انتشار فايروس كورونا آثار سلبية على نمو اقتصاديات مجموعة العشرين وهي أكبر اقتصادات العالم. وبحسب وحدة التحليل The intelligence Unit في مجلة الإيكونوميست The Economist  البريطانية، فإن جميع دول مجموعة العشرين (وهي أكبر 20 اقتصادات في العالم)، سوف تسجل ركوداً هذا العام 2020 عدا ثلاثة بلدان منها، وسوف ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة – 2.5% بدلًا من توقع سابق لنمو إيجابي + 2.3%. إذ سيخفض نمو الصين عام 2020 الى + 1% بينما كان + 6.1% في عام 2019، بينما تواجه الولايات المتحدة انكماشًا بمعدل – 2.9%، وستواجه مجموعة دول في أمريكا الجنوبية انكماشًا بمعدل مرتفع مثل الأرجنتين -6.7%  والبرازيل -5.5% والمكسيك -6.5% وكذلك كل من جنوب افريقيا والسعودية -5%. ومثلها ستواجه أكبر اقتصاديات أوروبا انكماشًا بمعدل مرتفع أيضًا يبلغ في المانيا -6% وفرنسا -5% وايطاليا – 7% وبريطانيا -4.7%. بينما سيبلغ الانكماش في روسيا – 2.6% وفي تركيا -3.5% وفي كندا – 3.2%. وستكون بلدان جنوب شرق آسيا هي الأقل تضررًا: استراليا -0.5% واليابان -1.5% وكوريا الجنوبية -1.8%. أما الهند فتحقق نمو إيجابي بمعدل + 2.1% وأندونيسيا +1%.

ستكون معدلات الانكماش أكبر إن استمر الإغلاق بمعدلاته الحالية، ولكن سيستمر التأثير بنسب أقل في حال عودة القطاعات إلى الإنتاج وعودة الحياة تدرجًا، مع استمرار بعض الإغلاقات والقيود، أي إن الآثار قد تكون أكبر مما ورد أعلاه، في حال ظهور موجات ثانية أو ثالثة من الوباء،  أو مع اقتراب فصل الشتاء في بلدان الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية، واحتمال انتشار الوباء بشكل أوسع في بلدانه، فهذا من شأنه أن يزيد من تباطؤ النمو.

لقد أنتج الإغلاق في دول العالم معدلات بطالة مرتفعة قدرت خلال الفترة الأولى بنحو 25 مليون عاطل جديد، وستكون أعلى من ذلك في حال تمديد فترة الإغلاق، وستتركز معدلات البطالة في دول العالم الفقيرة التي قلدت الدول المتقدمة في خطوات الإغلاق، دون أن تخصص أي برامج لتعويض المؤسسات الصغيرة والكبيرة كي لا تقوم بتسريح عمالها، أو لتعويض الذين يعملون لحسابهم، وهذا ما فعلته البلدان الغنية، بينما تعجز الفقيرة على فعل ذلك. مما يعني أن آثار الإغلاق على الناس في البلدان الفقيرة اكثر كارثية، وهي غالبية بلدان الأرض وشعوبه، وستدفعهم في النهاية لكسر الإلاق والخروج في مواجهة إجراءات حكوماتهم رافعين شعار “الموت بالكورونا ولا الموت جوعًا”

الأثر المحتمل على العولمة

ليس أدل على عمق العولمة اليوم من أن الكرة الأرضية بمجموعها تواجه ذات المشكلة، وتتخذ ذات الإجراءات تقريبًا في ذات الوقت، ويرتبط مصير جميع الدول بنجاح أحدهم في تطوير لقاح وإنتاج دواء. هذا الترابط أصبح من الصعب فك عراه. طبعًا لا مجال لاستعراض تشابك العالم مع بعض واعتماد كل مجتمع على أسواق المجتمعات الأخرى في تصريف منتجاته أو الحصول على مواده الأولية أو آلاته وعلومه واختراعاته، وحتى منتجاته الثقافية والفنية، فكلها تصبح معولمة. ولكن وبذات الوقت نرى مواقف لاعبين كبار تنقلب، فأمريكا التي كانت عراب العولمة وبخاصة منذ الثمانينيات، بينما كانت الصين تعادي العولمة، نرى المواقف تنقلب الآن، ويعود ترامب ليدعو لسياسات تتعارض مع سياسات الانفتاح العولمي، ويدعو الى عودة الاستثمارات والصناعات وبالتالي فرص العمل عودتها الى الولايات المتحدة، وثمة توجهات مماثلة في أوروبا، ولكنها ليست بوضوح توجهات الولايات المتحدة، بينما نرى الصين تغز السير في طريق العولمة فتوطد علاقاتها التجارية والاستثمارية والاقتصادية مع دول العالم المتقدمة والنامية، ولها غايات متباينة من كل من هذه العلاقات، وتطرح منذ 2013 مشروعها الاستراتيجي العولمي “الحزام والطريق”.

يتوقع أن تخرج الدول النامية من أزمة كورونا مثقلة بديون أكثر، فالإيرادات العامة تتراجع مع إجراءات الإغلاق، وهي ضعيفة في الأساس بسبب فساد الأنظمة وسوء الأداء الاقتصادي، بينما تستمر الحاجة للإنفاق، وهذا سيضع العديد من البلدان النامية على حافة أزمة ديون حادة ويؤثر سلبًا على الاستثمار والنمو. وقد تواجه ذات المصير دول متقدمة مثل إسبانيا أو حتى إيطالياً.

الصراع الأمريكي الصيني على المكان الأول

أدت إجراءات انتشار وباء كورونا الى أن يخرج الصراع الصيني الأمريكي أكثر إلى العلن. وكانت نذرهُ قد بدأت قبل سنوات، وخاصة منذ تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة، ويستغل ترامب المناسبة ليسميه “الفيروس الصيني”، وبدأت بعض الأوساط الأمريكية برفع صوتها مطالبة الصين بدفع التعويضات لقاء الأضرار التي سببها انتشار الفيروس، بينما بدأت دعوات من الصين تقول انه إنتاج أمريكي موجه ضد الصين، و من المحتمل أن نشهد بروز حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين تخرج إلى العلن، كما كان مع المعسكر السوفيتي السابق، فقد باتت الولايات المتحدة أكثر خشية من تزايد دور الصين على حساب دورها العالمي، وستكون جبهة الاقتصاد وسياسات التجارة الدولية والاستثمار هي ميدانها الرئيس، بينما كان ميدان السياسة وسباق التسلح هو ميدان المواجهة بين الحلف الغربي والحلف السوفيتي السابق، أما الصين فقد اختارت أن تستعمل سلم الاقتصاد كي تصعد عليه كي تلعب دور سياسي بعد حين. ويتوقع أن تعمل الولايات المتحدة مستقبلاً على حرمان الصين من الكثير من التقدم التكنولوجي الذي كانت تستفيد منه ، وحرمانها من الاستثمارات، مثلًا شهدنا قبل شهور معركة ترامب ضد شركة هواوي الصينية، ولكن لا يعرف كيف سيكون موقف أوروبا من الحرب الصينية الأمريكية. ولكنها لن تكون مهمة سهلة.

أي نظام نريد أن نعيش فيه؟

يفضح انتشار الوباء الكثير من فساد النظام السياسي والاجتماعي الذي يسود العالم، ويبرز الخلل في وضع العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الثروة وشبكة الضمان الاجتماعي ودور الدولة ودور المؤسسات المالية (البنوك) وأسواق المال والعملات الرقمية والطابع الريعي للنظام القائم على تقديس الربح، خاصة وأن العقود الأربعة السابقة، ومنذ ثمانينات القرن الماضي، اندفعت السياسة الليبرالية الجديدة “النيوليبرالية” التي تقدس الربح وتضعه فوق كل قيمة، وتراجعت شبكة الضمان الاجتماعي في جميع دول العالم، وخاصة في دول العالم الثالث والدول المفتقدة للديمقراطية، وتحولت السياسات الاقتصادية والتحارية والمالية وسياسات أسواق العمل لتصب في صالح رأس المال على حساب قوة المشتغلين، فتزايد تفاوت توزيع الثروة سواء على مستوى كل مجتمع أو على المستوى العالمي، حتى وصلت ثروات البعض إلى حدود خيالية، وأصبح العالم منقسم بين نسبة الـ 1% التي تكاد تملك كل شيء، والـ 99% التي تعمل لخدمة الـ 1%، وبينما نسبة الـ 1% المنتشرة عبر العالم تنسق وتخطط وتعمل معًا للسيطرة على الـ 99%، تبقى هذه الأخيره مبعثرة الجهود ومشتتة، تلهو بصراعات ثانوية أو تركض خلف أوهام ومعتقدات زائفة تبدد طاقتها، بدًلا من التوحد للبحث عن عالم جديد ونظام اجتماعي جديد.

وكما يقول المفكر الأمريكي تشومسكي، “الطاعون الجديد المتمثل في النيوليبرالية يقودنا إلى الهلاك. لقد تمت خيانتنا من النظم السياسية التي تتحكم بها النيوليبرالية ويديرها الأغنياء ولا خيار لنا سوى “الخروج من الطاعون النيوليبرالي” للتعامل مع الأخطار المقبلة التي تلوح في الأفق في العالم، واستبداله بنظام عالمي إنساني كي يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء”.

مشاركةFacebookX
نرحب بآرئكم: